بقلم !!!

برقيات.. جيهان عبد الرحمن.. تكتب..اكتوبر ..الذاكرة التي لم تُغلق ملفاتها

برقيات.. جيهان عبد الرحمن تكتب

اكتوبر ..الذاكرة التي لم تُغلق ملفاتها

almomken.com b3de22ab

جيهان عبد الرحمن

لا أميل إلى التسليم بالرواية الأولى في كل حادث كبير، خصوصًا حين يأتي الحادث في توقيت شديد الحساسية. وما جرى على متن طائرة «فلاي دبي» المتجهة إلى إسرائيل، في نهاية سبتمبر، لا يزال قيد التحقيق؛ فقد تحول ما كان يمكن أن يصبح كارثة جوية إلى محاولة للسيطرة على الطائرة بعد اعتداء مساعد الطيار على قائدها. ولم تُثبت التحقيقات المعلنة حتى الآن أن الحادث كان مدبرًا من إسرائيل. وان كنت اميل لتلك الفرضية
لكن السؤال يظل مشروعًا: لماذا يبدو شهر أكتوبر، في الذاكرة الإسرائيلية، أكثر من مجرد شهر في التقويم؟
فهو شهر يحمل هزيمة 6 أكتوبر 1973، كما يحمل ذكرى 7 أكتوبر 2023 وما ترتب عليها من حرب وتداعيات لم تتوقف. ويأتي ذلك بينما شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الماضي مشهدًا لافتًا، حين غادرت عشرات الوفود القاعة مع بدء بنيامين نتنياهو كلمته، وبقيت أمامه صفوف واسعة من المقاعد الخالية.
هنا تستدعي الذاكرة أكتوبر 1973، لا بوصفه تاريخًا عسكريًا فقط، وإنما باعتباره لحظة كشفت فجوة بين الصورة التي صنعتها إسرائيل عن جيشها بعد 1967، وبين ما حدث فعليًا عندما عبر الجيش المصري قناة السويس وبدأت حرب لم تكن القيادة الإسرائيلية مستعدة لها كما ينبغي.
والأهم أن هذه الشهادة لم تأتِ من خصوم إسرائيل، وإنما من صحفيين إسرائيليين كانوا قريبين من النار.
كتاب «المحدال»، أي «التقصير»، الذي صدرت ترجمته العربية عام 1974، كتبه سبعة صحفيين إسرائيليين هم: يشعياهو بن فورات، يهونتان غيفن، أوري دان، آيتان هيفر، حيزّي كرمل، إيلي لنداو، وإيلي تابور. كانوا شهودًا على الحرب، وبعضهم شارك في القتال أو عمل مراسلًا على الجبهتين، ولذلك جاءت شهادتهم من داخل التجربة لا من خارجها.
تكمن قيمة «المحدال» في أنه لم يكتفِ بتسجيل ما جرى، وإنما كشف، من خلال روايات ومشاهدات صحفيين إسرائيليين، حجم المفاجأة التي أحدثها أداء الجندي المصري، وقدرته على القتال واستخدام السلاح، وهي صورة بددت كثيرًا من التصورات التي ترسخت بعد حرب يونيو 1967.
ولم تكن شهاداتهم وحدها هي التي فتحت ملف الإخفاق الإسرائيلي. فقد جاءت لجنة «أجرانات» للتحقيق في أسباب المفاجأة والقصور في الاستعداد والاستخبارات وإدارة الأيام الأولى للحرب. وأدى تقريرها إلى هزة سياسية وعسكرية واسعة داخل إسرائيل، واستقالة رئيسة الحكومة جولدا مائير، وإقالة أو استقالة عدد من كبار القادة العسكريين.
ولعل المفارقة أن إسرائيل، التي حققت في أخطائها وراجعت وثائقها وشهادات مسؤوليها وصحفييها، ما زالت تفتح ملفات حرب أكتوبر على مراحل. وقد أتيح جزء كبير من تقرير لجنة أجرانات، بينما بقيت مواد وشهادات أخرى خاضعة لإجراءات الإفراج والتصنيف.
أما نحن، فربما آن الأوان لأن نتعامل مع أكتوبر باعتباره أكثر من اسم كوبري أو مدينة أو إجازة رسمية.
بعد أكثر من نصف قرن، نحتاج إلى أن يعرف أبناؤنا كيف بدأت الحرب، وكيف عبر الجيش المصري، وكيف قاتل، وأين أخطأ، وأين أصاب، وكيف قرأ خصمه ما حدث.
فالتاريخ الذي نكتفي بالاحتفال به يتحول مع الوقت إلى ذكرى، أما التاريخ الذي نقرأ وثائقه ونفهم دروسه فيبقى معرفة.
وأكتوبر العظيم لا يحتاج إلى أساطير جديدة بقدر ما يحتاج إلى أن تُفتح دفاتره القديمة.هل نريد أن نورث أبناءنا انتصارًا محفوظًا في الذاكرة، أم معرفة كاملة بصناعة هذا الانتصار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى