هل أصبح صاحب المعاش في نظر بعض المسؤولين مجرد رقم في طابور؟

هل أصبح صاحب المعاش في نظر بعض المسؤولين مجرد رقم في طابور؟
بقلم الإعلامي خالد سالم

هل يعقل أن رجلًا أو سيدة أفنيا عشرات السنين في العمل، ودفعا اشتراكات التأمين الصحي طوال سنوات الخدمة، وعندما يتقدم بهما العمر ويحتاجان إلى الرعاية والرحمة، تكون المكافأة أن نقول لهما:
تعال كل سنة… قف في الطابور… ادفع 20 جنيهًا… وأثبت أنك ما زلت تستحق العلاج!
أي منطق هذا؟ وأي رحمة في هذا الإجراء؟
مشهد أصحاب المعاشات أمام التأمين الصحي ليس مجرد زحام يمكن أن نمر عليه مرور الكرام.
إنه مشهد مؤلم ومهين.
رجال كبار في السن، ونساء أنهكهن العمر والمرض، يقفون بالساعات من أجل تجديد بطاقة التأمين الصحي سنويًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
من صاحب فكرة هذا التجديد السنوي؟ ولماذا؟ وما الضرورة التي تستوجب أن يتحمل صاحب المعاش هذه المعاناة كل عام؟
وإذا كان الهدف هو تحصيل 20 جنيهًا سنويًا، فهل تستحق عشرات الساعات من الوقوف والمعاناة كل هذه الإجراءات؟
ألا توجد طريقة أكثر احترامًا للمواطن؟
يمكن تحصيل المبلغ إلكترونيًا، أو بطابع يُسدد في العيادة أو الجهة التي يتلقى فيها الخدمة، أو خصمه بطريقة منظمة، دون أن يتحول الأمر إلى رحلة عذاب سنوية.
لكن الكارثة أن الـ20 جنيهًا ليست المشكلة الوحيدة.
المشكلة في منظومة كاملة من الإجراءات المرهقة.
برنت من التأمينات والمعاشات…
ثم العودة إلى التأمين الصحي…
ثم استمارة…
ثم الذهاب مرة أخرى للتأمينات للحصول على ختم…
ثم العودة إلى التأمين الصحي!
لماذا؟
لماذا لا تتحدث أجهزة الدولة مع بعضها إلكترونيًا؟
لماذا يحمل المواطن أوراقًا تثبت معلومات موجودة أصلًا في قواعد بيانات حكومية؟
وفي النهاية، عندما يدخل صاحب المعاش التأمين الصحي، تبدأ رحلة أخرى من الطوابير:
طابور لتجديد البطاقة…
طابور للكشف…
طابور لصرف العلاج…
وطابور لكل خطوة من خطوات الخدمة.
فهل جئنا به للعلاج أم لاختبار قدرته على التحمل؟
هذا مريض يا سادة… وليس متسابقًا في ماراثون الطوابير!
صاحب المعاش ليس شابًا في العشرين أو الثلاثين يستطيع الوقوف ساعات تحت الشمس أو في الزحام.
إنه رجل كبير… أو امرأة كبيرة.
قد يكون مريضًا بالقلب أو الضغط أو السكر أو غيرها من الأمراض التي تجعل الوقوف الطويل معاناة حقيقية.
هؤلاء آباؤنا وأمهاتنا.
هؤلاء الذين قضوا عمرهم في العمل والإنتاج وخدمة هذا البلد.
والدولة التي تحترم مواطنيها لا تنتظر منهم أن يطلبوا الرحمة بعد أن أفنوا أعمارهم في خدمتها.
بل توفر لهم الرعاية والاحترام تلقائيًا.
والأغرب أننا نعيش في عصر تستطيع فيه التكنولوجيا أن تعرف كل شيء تقريبًا عن المواطن.
تعرف أنه على قيد الحياة.
تعرف أنه يصرف معاشه.
وتعرف أنه مستحق لخدمة التأمين الصحي.
فلماذا لا تكون بطاقة التأمين الصحي مجددة تلقائيًا ما دام صاحب المعاش حيًا ومستحقًا للخدمة؟
وإذا كان لا بد من التجديد لسبب إداري أو قانوني، فليكن إلكترونيًا، دون جرّ كبار السن إلى مكاتب التأمين الصحي كل عام.
السيد وزير الصحة…
هذه ليست رفاهية.
وهذا ليس طلبًا للحصول على امتياز.
إنها مطالبة بوقف معاناة يمكن إيقافها بقرار.

راجعوا هذا الإجراء.
أوقفوا التجديد الحضوري السنوي غير الضروري.
اربطوا التأمينات بالتأمين الصحي إلكترونيًا.
اختصروا الإجراءات.
احترموا كبار السن.
واجعلوا رحلة العلاج رحلة علاج فعلًا، لا رحلة عذاب.
أما إذا كان الهدف هو تحصيل الـ20 جنيهًا…
فلا تجعلوا تحصيل مبلغ زهيد ثمنًا لكرامة مواطن أفنى عمره في خدمة بلده.
إن الـ20 جنيهًا قد تكون مبلغًا بسيطًا في حسابات المؤسسات، لكنها بالنسبة لصاحب معاش محدود الدخل ليست مجرد رقم.
والأهم من المال هو الوقت والصحة والكرامة.
يا سادة…
الدولة القوية ليست التي تجعل المواطن يقف في الطابور، وإنما التي تجعل الخدمة تصل إلى المواطن بأقل جهد وأعلى كرامة.
وأصحاب المعاشات تحديدًا لا يحتاجون إلى مزيد من الاختبارات.
لقد أدوا امتحان العمر كله.
عملوا…
وأنتجوا…
ودفعوا…
وخدموا…
وحان الوقت أن ترتاح أقدامهم من الطوابير.
اطلب أولًا من الله… ثم من الرئيس، أن تصل هذه الصرخة إلى من يملك قرارًا يرفع هذه المعاناة.
نريد قرارًا واضحًا:
لا طوابير لكبار السن من أجل بطاقة يمكن تجديدها إلكترونيًا.
لا مشاوير بين التأمينات والتأمين الصحي من أجل ورقة يمكن أن تنتقل إلكترونيًا.
لا إهانة لمريض جاء يطلب العلاج.
فمن أفنى عمره في خدمة مصر…
من حقه أن يعيش بقية عمره في مصر بكرامة.
كفاية طوابير…
كفاية أوراق…
كفاية معاناة.
ارحموا أصحاب المعاشات.



