بقلم !!!

هل نتنياهو وترامب هما السبب؟

هل نتنياهو وترامب هما السبب؟

تحليل يستحق القراءة

هل نتنياهو وترامب هما السبب؟
هل نتنياهو وترامب هما السبب؟

محمد رفعت

مشهد معقد ومتشابك فى الشخصيتين

يبدو من السهل، بل من المغري، اختزال مشهد معقد ومتشابك في شخصين مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فالرجلان يمثلان نموذجين للسياسي الانتهازي معدوم الضمير والأخلاق، وكلاهما يصلح كـ”وجه” يمكن تحميله مسؤولية ما يجري في المنطقة. لكن الحقيقة، كما تكشفها الوقائع، أكثر عمقا وتعقيدا من مجرد إرادة فردين، مهما بلغا من تدني وحقارة وشر.

السياسة الأمريكية تجاه الشرق ليست وليدة اليوم

السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة منطقة الخليج العربي، لم تبدأ مع ترامب ولن تنتهي برحيله. إنها سياسات ممتدة، تقوم على مبدأ استراتيجي ثابت: السيطرة على منابع الطاقة وضمان تدفق النفط بما يخدم الاقتصاد الأمريكي ويحافظ على تفوقه العالمي. هذه الرؤية لم تتغير كثيرا بين إدارة وأخرى، سواء حملت اسم جمهوري أو ديمقراطي. من هنا يصبح ترامب مجرد حلقة في سلسلة، لا استثناء فيها.

فكرة التوسع الإسرائيلي

الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل. ففكرة التوسع، أو ما يعرف بـ”إسرائيل الكبرى”، ليست مجرد نزوة سياسية لنتنياهو، بل هي امتداد لرؤية عقائدية متجذرة في بعض التيارات الصهيونية ذات المرجعيات التوراتية. قد تتفاوت الحكومات الإسرائيلية في أساليبها، وقد تؤجل هذا المشروع أو تعيد صياغته، لكنها لا تتخلى عنه كليا، لأنه جزء من الفلسفة التي قامت عليها الدولة منذ نشأتها. لذلك فإن تحميل نتنياهو وحده مسؤولية هذا المسار يغفل جذوره الفكرية والسياسية العميقة.

أما الرواية الشائعة التي تقول إن نتنياهو “يحرك” ترامب عبر ملفات أو فضائح، كحكايات جزيرة أبستين، فهي أقرب إلى الخيال منها إلى التحليل السياسي الرصين. فلو كان الأمر كذلك، كيف نفسر مواقف إدارات أمريكية أخرى؟ الرئيس جو بايدن، على سبيل المثال، لم يكن أقل دعما لإسرائيل، بل عبر صراحة عن هذا الموقف حين قال إنه “لو لم تكن إسرائيل موجودة لاخترعناها”. ولم تشهد فترة حكمه تحركا حاسما لوقف الحرب على غزة بعد طوفان الأقصى، رغم ما خلفته من مآس إنسانية هائلة.

حسابات المصالح. فى المنطقة

المفارقة اللافتة أن من أوقف القتال، ولو مؤقتا، كان ترامب نفسه، لا بايدن. لكن هذا التدخل لم يكن بدافع إنساني خالص أو رغبة حقيقية في إحلال السلام، بل في إطار حسابات المصالح. فالرئيس الأمريكي، أيا كان اسمه، يظل أسير شبكة معقدة من جماعات الضغط، وعلى رأسها شركات تصنيع السلاح، التي لا تزدهر إلا في أجواء التوتر والحروب، إضافة إلى لوبيات سياسية واقتصادية ، وأهمها اللوبي اليهودي ” جماعة أيباك”، والتي تمارس نفوذا واسعا داخل مؤسسات القرار، من الكونجرس إلى وسائل الإعلام.

القرار الأمريكي تحكمه في العمق مصالح كبرى عابرة للأشخاص

في هذا السياق، لا تبدو قرارات الحرب والسلام انعكاسا لرغبة شخصية، بقدر ما هي نتاج توازنات قوة داخلية وخارجية. فالنظام السياسي الأمريكي، رغم ما يعلنه من ديمقراطية، تحكمه في العمق مصالح كبرى عابرة للأشخاص. ولهذا، فإن تبدل الرؤساء لا يعني بالضرورة تبدل السياسات، بل غالبا ما يعني إعادة إنتاجها بأدوات وخطابات مختلفة.

المحلل محمد رفعت
المحلل محمد رفعت

ترامب ونتنياهو ليسا سوى تعبيرين عن منظومة أكبر

ومن هنا يمكن فهم المشهد على نحو أوسع: ترامب ونتنياهو ليسا سوى تعبيرين عن منظومة أكبر، منظومة تقوم على الهيمنة، وإدارة الصراعات، وتوظيف الأزمات لتحقيق مكاسب استراتيجية.
وسواء قتل نتنياهو أم ما يزال على قيد الحياة، فإن السياسات الإسرائيلية التوسعية العدوانية ستظل كما هي، بل وربما تأتي شخصيات أكثر حدة واندفاعا، ما دامت موازين القوى العالمية لم تتغير جذريا.

لم تتمكن قوى الصين وروسيا من تشكيل قطب دولي موازي

وحتى الآن، لم تتمكن قوى مثل الصين وروسيا من تشكيل قطب دولي موازي يمتلك القدرة على كبح النفوذ الأمريكي أو إعادة صياغة قواعد اللعبة. وما دام هذا التوازن مختلا، ستظل المنطقة ساحة مفتوحة لصراعات تدار من خارجها، وبأدوات تتغير أسماؤها، لكن أهدافها تبقى واحدة.

جابوا ألضو حطوا شاهين

ربما يختصر المشهد، على نحو ساخر، مقطع من أغنية قديمة لثلاثي أضواء المسرح “جابوا ألضو حطوا شاهين”، حيث تتبدل الوجوه بينما يظل الدور واحدا. والسؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل ترامب ونتنياهو هما السبب؟ بل: ما الذي يجعل العالم قابلا لإنتاج أمثالهما، لينشرا الشر والرعب والفساد في الأرض؟!
محمد رفعت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى