ماذا يجري قبل اتفاق مؤقت بين أمريكا وإيران..؟

ماذا يجري قبل اتفاق مؤقت بين أمريكا وإيران..؟

تحليل الكاتب عزت ابراهيم
الانتقال من لغة الانتصار إلى لغة تقليل الخسائر
أظهرت الحرب الأمريكية الإيرانية أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها أحد يتحدث بجدية عن الحسم الكامل أو تغيير المنطقة بالقوة العسكرية- باستثناء ما تفعله اسرائيل في جنوب لبنان بلا رادع. انتقلت كل الأطراف من لغة الانتصار إلى لغة تقليل الخسائر وإدارة الأزمات. دخلت واشنطن الحرب وهي تتحدث عن تدمير البرنامج النووي الإيراني وإخضاع طهران وإعادة رسم التوازنات الإقليمية، ثم انتهت إلى البحث عن اتفاق مؤقت يعيد فتح مضيق هرمز ويوقف النزيف ويمنع الاقتصاد العالمي من السقوط في أزمة أعمق. وتعرضت إيران لقصف واسع وخسرت قادة ومنشآت وبنية تحتية، لكنها لم تسقط ولم تنهَر، بخلاف حسابات ترامب ونتانياهو، بل خرجت لتؤكد أنها ما زالت قادرة على تهديد التجارة والطاقة العالمية متى أرادت. واكتشف الخليج فجأة أن المنطقة التي حاولت التحول إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا عادت مرة أخرى رهينة النفط والمضائق والصواريخ والحروب.
تحليل فايننشال تايمز فى استخدام عبارة “فن الممكن
لخصت فايننشال تايمز هذه اللحظة عندما استخدمت عبارة “فن الممكن”. لم تعد العواصم الكبرى تتحدث عن سلام تاريخي أو نظام إقليمي جديد، بل انشغلت بمنع الكارثة الأكبر. لا يمثل الاتفاق الجاري الحديث عنه تسوية نهائية، بل يشكل هدنة طويلة نسبيا تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة الأسواق ومنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس. وأجلت الأطراف كل القضايا الجوهرية تقريبا وأهمها البرنامج الصاروخي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، ومستقبل الميليشيات، وشكل الأمن الخليجي، وترتيبات الملاحة في المضيق. وجمد الجميع الانفجار مؤقتا بعدما أدركوا أن البديل قد يقود إلى حرب طويلة تستنزف المنطقة والعالم معا.
توماس فريدمان يحلل الوضع الأمريكى
عبر توماس فريدمان عن هذه المفارقة بوضوح عندما قال إن ترامب لا يأكل “جمبري جامبو فاخر” بل “يبلع غرابا”. يقصد الأمريكيون بتعبير “ابتلاع الغراب” التراجع المهين بعد الثقة الزائدة والخطاب المتعالي، بينما يرمز “الجمبري الجامبو الفاخر” إلى النصر المترف والاحتفال الكبير بالإنجاز. وأراد فريدمان القول إن ترامب سيحاول تقديم الاتفاق باعتباره انتصارا عظيما، بينما تكشف الحقيقة أن الرجل الذي مزق الاتفاق النووي عام 2018 ووصفه بأنه “كارثة تاريخية” يقترب الآن من صفقة تشبهه بعد حرب كلّفت العالم أزمة طاقة واضطرابا اقتصاديا ومواجهة عسكرية واسعة. بدأ ترامب الحرب بخطاب “الاستسلام غير المشروط”، ثم انتهى إلى البحث عن هدنة مؤقتة وتخفيف تدريجي للعقوبات ومفاوضات طويلة. ولم يقدم “جمبري جامبو فاخر” كما وعد أنصاره، بل اضطر إلى ابتلاع تراجع سياسي واضح يحاول البيت الأبيض تسويقه باعتباره إنجازا استراتيجيا.
فشل واشنطن وتل أبيب فى تقييم قدرة إيران على الرد
كشفت الحرب أن واشنطن وتل أبيب قللتا بصورة خطيرة من قدرة إيران على الرد. افترضت الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية أن القصف المكثف سيدفع النظام الإيراني إلى الانهيار أو الاستسلام السريع، لكن طهران اكتشفت خلال الحرب نقطة قوتها الأخطر فهي لم تحتاج إلى سلاح نووي حتى تفرض نفسها على العالم، بل احتاجت فقط إلى القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز. وأدركت إيران أنها تستطيع عبر المسيّرات والصواريخ والزوارق السريعة تهديد أهم ممر نفطي في العالم ورفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن عالميا. وغيّرت هذه الحقيقة حسابات الجميع، لأن العالم اكتشف أن الاقتصاد الدولي يمكن أن يصبح رهينة لأدوات رخيصة نسبيا تستخدمها دولة تخضع أصلا لعقوبات وحصار.
الحرب غيرت مفهوم القوة في الشرق الأوسط كله
كما غيرت هذه الحرب مفهوم القوة في الشرق الأوسط كله. استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة بمليارات الدولارات وأنظمة فائقة التطور، بينما استخدمت إيران أدوات أقل كلفة لكنها أكثر قدرة على التعطيل والفوضى. ولم تنته الحرب بحرمان إيران من أوراق القوة، بل انتهت باكتشاف طهران أنها تمتلك “سلاح تعطيل شامل” يستطيع خنق الاقتصاد العالمي من خلال مضيق ضيق. ولهذا لم تعد الدول تخشى فقط تخصيب اليورانيوم الإيراني، بل أصبحت تخشى أيضا قدرة طهران على وقف تدفق النفط والغاز ورفع كلفة الاقتصاد العالمي كله خلال أيام قليلة.
خوف دول الخليج من تحول المنطقة لتعطيل اقتصادى دائم
نظرت دول الخليج إلى هذه التطورات بقلق شديد. لم تخش أدول الخليج الصواريخ الإيرانية فقط، بل خافت من تحول المنطقة كلها إلى ساحة تعطيل اقتصادي دائم. وأظهرت الهجمات على منشآت الطاقة وتعطل جزء من صادرات الغاز القطرية وارتفاع كلفة النقل والتأمين أن أي حرب طويلة مع إيران ستصيب قلب الاقتصاد الخليجي مباشرة. ولهذا لم تتحمس العواصم الخليجية لتوسيع الحرب أو دفعها نحو مواجهة بلا سقف، لأنها أدركت أن الكلفة النهائية ستقع عليها قبل أي طرف آخر.
موقف سعودى مغاير لموقف واشنطن وتل أبيب
تحركت السعودية بمنطق مختلف عن الخطاب الأمريكي والإسرائيلي. فلم تتحدث الرياض عن إسقاط النظام الإيراني أو تدمير إيران بالكامل، بل ركزت على منع الانفجار الإقليمي. وعرفت القيادة السعودية أن مشاريعها الاقتصادية العملاقة تحتاج إلى سنوات طويلة من الاستقرار، بينما أظهرت الحرب أن الخليج يمكن أن يتحول خلال أيام قليلة إلى مركز أزمة اقتصادية عالمية. ولهذا أبقت الرياض قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وركزت على التهدئة ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
أمريكا قامت بضربات هائلة ولم تنجح فى فرض استسلام سياسى على إيران
كشفت الحرب أيضا حدود القوة الأمريكية نفسها. استطاعت واشنطن تنفيذ ضربات هائلة، لكنها لم تستطع فرض استسلام سياسي على إيران، ولم تتمكن من حماية الملاحة بشكل كامل، ولم تحافظ حتى على إجماع داخلي أمريكي حول استمرار الحرب. وبدأ ترامب المواجهة بخطاب “الاستسلام غير المشروط”، ثم انتهى إلى الحديث عن هدنة وتمديد وقف إطلاق النار ورفع تدريجي للعقوبات. وأعطى هذا التحول السريع انطباعا واسعا بأن الإدارة الأمريكية دخلت الحرب من دون تصور واضح لنهايتها.
٨
حول الانقسام داخل الولايات المتحدة الأزمة نفسها إلى معركة سياسية داخلية. اتهم الجمهوريون المتشددون ترامب بالتراجع وإضاعة نتائج القتال على طاولة التفاوض. واعتبرت شخصيات محافظة بارزة أن إيران خرجت من الحرب بأوراق ضغط أكبر مما كانت تملك قبلها، وأن واشنطن منحت طهران فرصة جديدة للحياة بعدما كانت تعاني من عزلة خانقة. وفي المقابل، رأى آخرون أن البديل عن الاتفاق كان سيقود إلى حرب مفتوحة تدمر الاقتصاد العالمي وترفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة.

إيران واجهت ضربات عنيفة لكنها لم تنتج انهيار سياسى
واجهت إيران بدورها وضعا معقدا. تعرضت البلاد لضربات قاسية، وتضررت البنية التحتية الاقتصادية، وخسرت المنشآت الصناعية والطاقة جزءا كبيرا من قدراتها، وواجه النظام ضغوطا داخلية ضخمة. لكن هذه الضربات لم تنتج الانهيار السياسي الذي توقعته واشنطن. بل عززت الحرب نفوذ الحرس الثوري والتيار الأكثر تشددا داخل الدولة الإيرانية، وقد تدفع أي اتفاق نهائي مستقبلي نحو مزيد من التعقيد والصعوبة.
الرد العربى على اتفاقات ابراهيم كان باهتا
كشف طرح ترامب توسيع “اتفاقات أبراهام” أثناء الحرب حجم الانفصال بين الرؤية الأمريكية والواقع الإقليمي. تحدث الرئيس الأمريكي عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسيا بينما كانت العواصم الخليجية تحاول فقط منع الانهيار الكامل. ولهذا جاء الرد العربي باردا ومتحفظا، لأن دول المنطقة لم تكن مستعدة لفتح معارك سياسية جديدة حول التطبيع بينما استمرت الحرب في غزة وعاشت المنطقة كلها فوق حافة الانفجار.
السعودية أكدت أن اى تقدم مع إسرائيل مرتبط بمسار سياسي واضح للقضية الفلسطينية
أكدت السعودية بوضوح أن أي تقدم حقيقي مع إسرائيل يحتاج إلى مسار سياسي واضح للقضية الفلسطينية. ولم يعكس هذا الموقف مجرد مناورة دبلوماسية، بل عبر عن إدراك أعمق بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن بناؤه فوق تجاهل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو القفز فوق المزاج الشعبي العربي والإسلامي.
أدخلت الحرب الشرق الأوسط في مرحلة جديدة لم تعد القوة فيها تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والجيوش، بل أصبحت تُقاس أيضا بالقدرة على تعطيل الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. واستخدمت إيران أدوات أرخص بكثير من خصومها، لكنها نجحت في خلق تأثير عالمي هائل. ولهذا ستصبح الحروب المقبلة في المنطقة أكثر خطورة على الاقتصاد العالمي حتى لو بقيت محدودة عسكريا.
الجميع خرج من الحرب أقل ثقة وأكثر حذرا
خرج الجميع من الحرب أقل ثقة وأكثر حذرا. اكتشفت الولايات المتحدة حدود القوة العسكرية. واكتشفت إيران أنها قادرة على الصمود لكنها دفعت ثمنا اقتصاديا وبشريا هائلا. واكتشف الخليج أن الاستقرار أصبح أثمن مورد استراتيجي في المنطقة. واكتشف العالم كله أن الاقتصاد الدولي يمكن أن يصبح رهينة لمضيق بحري ضيق في الشرق الأوسط.
عزت إبراهيم



