برقيات ..اللوائح شريكا في القتل جيهان عبد الرحمن

برقيات ..اللوائح شريكا في القتل
جيهان عبد الرحمن

في كتب القانون تعلّمنا أن القتل ليس دائمًا رصاصة أو سكينًا.
قد يكون قرارًا…توقيعًا…أو—وهذا هو الأخطر—امتناعًا باردًا عن الفعل.
أن ترى إنسانًا يغرق وتملك طوق النجاة ثم تختار ألا تمد يدك…أن تمتنع عن إعطاؤه الدواء .. هذه جريمة.
يسميها القانون: قتل بالترك. ويسميها الضمير: سقوطًا كاملًا.
لكن ما لم تُخبرنا به كتب القانون… أن القاتل قد لا يكون شخصًا، بل لائحة.
نعم… لائحة. حين تتحول النصوص إلى جدران صماء، وحين يُستدعى القانون ليُغلق باب الرحمة لا ليفتحه، نكون أمام جريمة بلا دماء… لكنها لا تقل قسوة.
في قلب هذه القصة تقف نقابة المحامين، بيت العدالة، المفترض بثقل أرقامها: أكثر من 300 ألف عضو، وميزانية بمليارات الجنيهات، وموارد تتدفق من دمغة المحاماة وأتعاب التقاضي واشتراكات الاعضاء التي لا تتوقف عن الزيادة.
ومع ذلك…تقف امرأة.
محامية على المعاش.
بلا أبناء. بلا سند.
بلا قدرة حتى على شراء ما يُبقيها على قيد الحياة.
كل دخلها 3800 جنيه وذلك بعد إضافة معاش الاب لضعف معاش النقابة… رقم يصلح لكل شيء إلا للعيش.
المرض ينهشها، والوحدة تُحاصرها، ودار مسنين متواضعة الحال بالكاد تصلح للاسم تطالبها بسبعة آلاف جنيه شهريًا… وإلا الشارع.
الشارع…هذا هو الحكم غير المكتوب. حين طرقت باب النقابة، لم تحمل شعارات كتلك التي يطلقها أعضاء المجلس المرشحين قبل الانتخابات والتي تذهب أدراج الرياح بعد فوزهم بل حملت أوراقًا: تقارير، مستندات، استغاثات.
كل ما يكفي لإدانة الصمت. لكن الرد جاء جاهزًا، محفوظًا، بارعًا في بروده:
“اللوائح لا تسمح.”
هنا تحديدًا تقع الجريمة
ليس لأنها لم تُساعد…
بل لأنها اختارت ألا تساعد، بينما تستطيع.
اللوائح التي تتحدث عن الرعاية الصحية، عن دعم الحالات الإنسانية، عن كرامة المحامي بعد سنوات العطاء…
تحولت فجأة إلى حروف بلا قلب. أو—وهذا أقسى—إلى أبواب تُفتح للبعض وتُغلق في وجه من لا يملكون مفاتيح العلاقات.
أحد أعضاء المجلس ألقى المسؤولية نحو النقيب عبد الحليم علام…لكن الصوت لا يزال معلقًا في الهواء، كأن الاستغاثة لا تجد من يسمعها.
هذه السيدة لا تطلب امتيازًا…ولا منحة استثنائية…بل تطلب الحد الأدنى من النجاة:
مكان لا تُطرد منه،
وسرير لا تُسحب من فوقه، ونهاية لا تُكتب على الرصيف.
وهنا… لا يعود السؤال قانونيًا فقط، بل يتحول إلى محاكمة أخلاقية كاملة:
ما قيمة لائحةٍ لا تنحني أمام ألمٍ واضح؟ وما جدوى نصٍ يُحسن ترتيب البنود… ويُسيء إنقاذ البشر؟
القانون وُضع ليحمي الإنسان… لا ليبرر تركه.
والنقابات أُنشئت لتكون ظهرًا لأعضائها… لا جدارًا في وجوههم. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة… أن تُقنع نفسها أن الالتزام بالورق يُغني عن إنقاذ البشر، وأن تظن—ولو للحظة—أن المسؤولية تُسقطها جملة محفوظة.
التاريخ لا يذكر النصوص…بل يذكر المواقف.
ولا يسأل: هل طبّقتم اللائحة؟ بل يسأل: هل أنقذتم الإنسان؟
ندائي ليس عاطفيًا… بل اتهام مباشر: أن تُترك إنسانة تموت ببطء، بينما الموارد موجودة، واللوائح—إن صمتت—يمكن أن تُفسَّر لصالحها، فهذا ليس تقصيرًا… هذا قرار بالقتل بالترك.
وقبل أن يُسجَّل في دفاتر النقابة كـ”حالة لم تنطبق عليها الشروط”سيُسجَّل في مكان آخر…لا تُجدي فيه اللوائح نفعا، ولا تنفع فيه التبريرات حين تقفون أمام الله للحساب..
أنقذوا الأستاذة لطيفة…
ليس لأن اللوائح تسمح،
بل لأن تركها تموت جريمة مكتملة الأركان.



