بقلم !!!

هشام محفوظ يكتب.. من ناقة صالح إلى الذكاء الاصطناعي: حين يخاطب الغيبُ العقلَ الإنساني

هشام محفوظ يكتب.. من ناقة صالح إلى الذكاء الاصطناعي: حين يخاطب الغيبُ العقلَ الإنساني

في رحلة الوجود الإنساني الممتد

في رحلة الوجود الإنساني الممتدة بين الغيب والشهادة، تتجلّى دائمًا تلك الجدلية البديعة بين ما تراه العيون وما تعجز العقول عن الإحاطة به.

الحكمة تقتضي الإقرار بأن الغيب لم يكن يومًا غيابًا، بل حضورًا آخر، أعمق من الإدراك ، وأقرب إلى جوهر الإيمان. ومن هنا تأتي قصة ناقة سيدنا صالح عليه السلام لتغدو رمزًا خالدًا لاحترام الغيب، وتقديس إرادة الله التي تتجلى في معجزاته، وتنذر حين يُكذَّب بها.

الناقة آية الله لقوم ثمود

لقد كانت الناقة آية الله لقوم ثمود، خرجت بأمر الله من صخر صلد ، لتكون برهانًا على أن الوجود ليس مغلقًا على الحسّ، وأن ما وراء الطبيعة ليس عجزًا في العلم ، بل حكمة في التكوين الذي يعلمه الحق العلام العليم . كان الامتحان الإلهي واضحًا: “هذه ناقةُ الله لكم آية”، أي اختبار للقلوب قبل العقول. وحين كفروا بها واعتدوا على حرمتها، لم تنطفئ فقط أنوار الإيمان في قلوبهم، بل تهاوت منظومتهم الأخلاقية والعقلية حتى صاروا عبرة لمن يعتبر، وسجلت الكتب السماوية تاريخهم .

اليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، يواجه الإنسان امتحانًا جديدًا من نوع آخر. فبينما يبرع العقل البشري في خلق النماذج الرقمية والمحاكاة الذكية، ويتجاوز حدوده في الفهم والتصنيع والتنبؤ، يغيب أحيانًا عن هذا العقل وعيٌ جوهري بحدود المعرفة الإنسانية، وبقداسة الغيب الذي لا يُدرك إلا بالبصيرة .

الذكاء الاصطناعي شاهد على عبقرية الخلق الإلهي

فالذكاء الاصطناعي في جوهره شاهد على عبقرية الخلق الإلهي في الإنسان، وعلى أن الله منحه القدرة على التعلم والاكتشاف . لكنه في الوقت ذاته يذكّرنا بأن العقل مهما بلغ من عظمةٍ يبقى أداة ، لا إلهًا صغيرًا . وإذا لم يُزكَّ هذا العقل بإيمان بالله وبإيمانٍ عميق بالحق والخير والجمال، صار خطرًا على ذاته وعلى الكون كله .

إن الكتب السماوية ؛ لتوراة والإنجيل والقرآن — على تنوع لغاتها ورؤاها — اتفقت على تأكيد البعد الغيبي في حياة الإنسان، فحدّثتنا عن ما كان وما يكون وما سيكون، لتُبقي الوعي البشري في يقظة دائمة أمام أسرار هذا الوجود .

هذه الكتب السماوية لم تكن كتب تعبد فقط ولم تكن مجرد كتب تاريخ أو فلسفة ، بل خرائط للروح في رحلتها الإيمانية بين الماضي والحاضر والمستقبل .

وفيها إشارات عميقة إلى أن التقدم العلمي لا يُغني عن الإيمان ، وأن كشف قوانين الكون لا يلغي الغيب بل يُثبت حكمته .

أين تكون النار التي ما إن تشعل عود الثقاب فتظهر ، وأين تكون بعد أن تطفئ عود الثقاب ؟!

ومن هنا، فإن المطلوب من الإنسان الحديث ـ وهو يقف أمام الذكاء الاصطناعي بكل ما فيه من دقةٍ وقوةٍ وسرعةٍ وابتكار ـ أن يُبقي قلبه عامرًا بالإيمان، ولسانه ناطقًا بالحق، وروحه مشتعلة بالخير والجمال والمعنى.

التعامل مع الذكاء الاصطناعي بروح الإيمان بالله عالم الغيب والشهادة ؛

لا أطالب بأن نتعامل معه بوصفه معجزة ، بل أرجو أن نقدره بروح الإيمان بالله عالم الغيب والشهادة ؛ فالعلم بلا إيمان طريقٌ أعرج، والتقنية بلا ضمير قد تتحول إلى سلاح ضد الإنسانية.

إنّ الإيمان ليس قيدًا على العلم، بل جناحًا يرفعه نحو مقاصده العليا.

هكذا نقرأ قصة ناقة صالح من جديد لا بوصفها حكايةً من الماضي ، بل كمرآة روحية لعصر الذكاء الاصطناعي في هذه اللحظة من تاريخنا الإنساني.

حين أكرم الله قومًا بآيةٍ من رحم الصخر فكذبوا، عوقبوا بالهلاك. واليوم أكرم الله الإنسان بقدرات من رحم العلم، فإن لم يُكرمها الإنسان بالإيمان والرحمة، فقد يخلق الإنسان هو بنفسه هلاكه الجديد.

إنّ احترام الغيب ليس خضوعًا للعجز، بل وعيٌ بالحدود. والعقل المؤمن حين يحاور الغيب، لا يتراجع أمامه، بل يسمو به.

وفي هذا التلاقي بين العلم والإيمان، بين الذكاء الاصطناعي والقلب الإنساني، بين ما نراه وما نؤمن به — يستمر الحوار الأبدي بين الله والإنسان، بين الخلق والخالق، بين العلم والنور.

د هشام محفوظ
د هشام محفوظ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى