فنون وثقافة

صمت المصعد… دعاء فتحي 

صمت المصعد… دعاء فتحي

دعاء فتحي
دعاء فتحي

استيقظ على صوت لا يعرف إن كان صدى حلم أم ضربة القدر على قلب الليل.

الظلام يلتف حوله كثوب ثقيل، ثقيل جدًا لا يُزيح.

همس لنفسه:

«اللهم خير… خير يا رب…»

 

مدّ يده. الهاتف غائب.

الأرض باردة، معدنية، تحت أصابعه،

والجدار أمامه يلمع ببرود صامت،

وكأنه يراقبه منذ سنين دون أن يحرك ساكنًا.

 

جلس على حافة الصمت،

المرآة أمامه تعكس وجهه الشاحب،

لكن الوجه هناك، خلفه، مختلف…

وجهه كما كان… كما لم يعد،

وجه يحمل غياب من أحب، وخطايا من نسي، وأحلام لم تتحقق.

 

نهض بحذر، خطوة واحدة… ثم أخرى…

المصعد يبتلعه، يلتهم كل حركة وكل صوت.

ضغط الزر بلا جدوى،

صرخ في صمت، ضحك لنفسه بخفوت…

ضحكة تكاد تنكسر عند أول اهتزاز للصمت.

 

ضغط زر الطوارئ.

الصمت يمد يده ليمسكه، يفركعه داخل نفسه،

أفكاره تزحف، صغيرة في البداية،

تتسلق صدره، تكبر، تجلس فوق قلبه:

رسالة لم تُفتح، مكالمة لم تُرد،

وعد قال فيه «بعدين»،

والآن صار جبلًا من الصمت والذكريات.

 

عرق يتصبب على جبينه،

ليس من حرارة المصعد،

بل من شعور أن العالم كله واقف برّه،

وهو هنا… معلّق بين اللحظة وما بعدها،

بين الماضي الذي يطارده والمستقبل الذي يتهرب منه.

 

طرق باب المصعد بقبضته.

الصدى ارتد ضعيفًا،

كأنه يقول:

«سمعتك… لكن لا أستطيع المساعدة.»

 

جلس مرة أخرى، أسند رأسه للخلف،

أغمض عينيه، واستمع لأنفاسه:

كل نفس صار صدى كل شخص غاب عنه،

كل حلم لم يكتمل.

 

مرت لحظات لا يُقاس لها زمن،

حتى جاء صوت بعيد، مكسور:

«حد جوه؟»

 

فتح عينيه، وقف،

رد بصوت مبحوح:

«أيوه… أنا هنا.»

 

المصعد تحرك ببطء، ثم توقف.

انفتح الباب.

 

خرج، تنفّس عميقًا،

خطوتين، ثم توقّف.

التفت خلفه، نظر إلى المصعد،

همس لنفسه:

 

«ليس كل من يُحبس في مكان… محبوس فيه.

أحيانًا، المكان نفسه هو من يحررك…

لكن عليك أن تعرف متى تخرج.»

 

ومشى،

والصمت خلفه يبتسم ببطء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى