الثانوية العامة ليست المتهم الوحيد.. أوقفوا محاكمة النتيجة وابدأوا إصلاح الامتحان

الثانوية العامة ليست المتهم الوحيد.. أوقفوا محاكمة النتيجة وابدأوا إصلاح الامتحان

بقلم سيد مصطفى
كل عام يتكرر المشهد نفسه… تعلن نتيجة الثانوية العامة، فتشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالاتهامات والتشكيك، وتتحول صفحات “السوشيال ميديا” إلى ساحات للتحقيق والمحاكمة وإصدار الأحكام، وكأنها أصبحت بديلًا عن المؤسسات المختصة.
هذا العام لم يكن استثناءً، فقد أثيرت تساؤلات واسعة بعد تداول معلومات عن لجنة خرج منها الطالب الأول على مستوى شعبة علمي علوم، مع الحديث عن تفوق جميع طلابها. وبين من يصدق ومن يشكك، ضاعت الحقيقة وسط سيل من المنشورات والانفعالات.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: ماذا سنجني من هذه الحملات بعد أن أصبحت النتيجة معتمدة رسميًا ومحصنة بقرار الوزير؟ وهل ستغير آلاف المنشورات على مواقع التواصل ترتيب الأوائل أو تعيد تصحيح أوراق الإجابة؟
الإجابة ببساطة: لا.
البكاء على اللبن المسكوب لن يحل أزمة، ولن يمنع تكرارها العام المقبل. وإذا كانت هناك شبهة أو مخالفة، فهناك جهات رسمية تملك وحدها حق الفحص والتحقيق واتخاذ القرار. أما المجتمع، فمن واجبه أن يناقش أصل الداء لا أعراضه.
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن أزمة الثانوية العامة ليست في لجنة، ولا في طالب، ولا حتى في مراقب، وإنما في منظومة تقويم أثبتت السنوات أنها تحتاج إلى مراجعة شجاعة.
فالغش يتكرر كل عام، رغم الكاميرات، وأجهزة التفتيش، والإجراءات الأمنية، والعقوبات المشددة، والتكنولوجيا المستخدمة في التأمين. وإذا كانت المشكلة تتكرر بالسيناريو نفسه، فهذا يعني أن الخلل أعمق من مجرد إجراءات رقابية.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن نظام الامتحانات الحالي، القائم في معظمه على أسئلة الاختيار من متعدد (البابل شيت)، لم يعد قادرًا وحده على تحقيق الهدف الحقيقي من الامتحان، وهو قياس الفهم والتحليل والإبداع، لا مجرد اختيار دائرة صحيحة من بين أربع دوائر.
“البابل شيت” وعلامات استفهام
لا أحد ينكر أن “البابل شيت” وفر سرعة في التصحيح وقلل الأخطاء البشرية، لكنه في المقابل جعل الامتحان أكثر قابلية للتحول إلى معادلة تعتمد على التدريب على أنماط الأسئلة، وأصبح الطالب يتعامل مع الامتحان باعتباره لعبة احتمالات أكثر من كونه اختبارًا للقدرات الفكرية.
ومن هنا، فإن الحل الحقيقي ليس في شراء أجهزة جديدة، ولا في زيادة أعداد أفراد التأمين، ولا في إصدار بيانات غاضبة كل موسم، بل في تغيير فلسفة التقويم نفسها.
والأهم أن هذا الحل لا يحتاج إلى مليارات الجنيهات، ولا إلى موازنات استثنائية. إنه يحتاج إلى قرار تربوي شجاع بإعادة بناء منظومة الامتحانات، وإلغاء الاعتماد شبه الكامل على “البابل شيت”، واستبداله بنظام متوازن يجمع بين الموضوعية وقياس مهارات التفكير والتحليل والتطبيق.
ماذا فعلت الدول المتقدمة تعليميا
هناك دول كثيرة سبقتنا في هذا المجال، ونجحت في بناء نظم تقييم جعلت طلابها في صدارة المؤشرات التعليمية العالمية. لكن الخطأ الأكبر أن نستنسخ تجارب الآخرين كما هي. فمصر لها طبيعتها السكانية والاجتماعية والاقتصادية، وما يصلح لدولة تضم بضعة ملايين من السكان قد لا يصلح لدولة يتجاوز عدد سكانها المائة مليون.
لذلك، فإن أي تطوير يجب أن ينطلق من الواقع المصري، لا من الانبهار بالنماذج الأجنبية، وأن يحقق معادلة صعبة تجمع بين العدالة، وسهولة التطبيق، وانخفاض التكلفة، وجودة المخرجات.
واليوم، ونحن على أعتاب تطبيق نظام البكالوريا المصرية، تبدو الفرصة مواتية لإعادة التفكير في فلسفة التقويم بالكامل. ومن الواضح أن الدولة تراهن على نجاح هذا النظام، لكن النجاح لا يتحقق بالرغبة وحدها، ولا بحملات الترويج، ولا بمقارنة البكالوريا بالثانوية العامة.
النجاح يبدأ من سؤال واحد: كيف سنقيس تعلم الطالب؟
فالمنهج يمكن تطويره، والكتب يمكن تحديثها، والتكنولوجيا يمكن توفيرها، لكن إذا بقي الامتحان كما هو، فلن يتغير شيء. بل سيستمر الطالب في الحفظ، وسيظل المعلم يدرّس من أجل الامتحان، وستبقى الأسرة أسيرة هاجس المجموع.
ولهذا فإنني أكرر ما قلته مرارًا: التقويم يجب أن يسبق المنهج، لا أن يأتي بعده. فمن الخطأ أن نبني المناهج أولًا، ثم نفكر بعد ذلك في طريقة الامتحان. الصحيح هو أن نحدد أولًا المهارات التي نريد قياسها، ثم نبني المنهج الذي يحققها، ثم نصمم الامتحان الذي يقيسها بدقة وعدالة.
إن معركة التعليم الحقيقية ليست على “تريند” في مواقع التواصل، وليست في التشكيك في نتيجة خرجت للنور، وإنما في امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن نظام الامتحانات بحاجة إلى مراجعة عميقة.
وعندما نصل إلى امتحان يقيس التفكير لا الحفظ، ويكافئ الفهم لا التلقين، ويغلق أبواب الغش من جذورها بدلًا من مطاردتها كل عام… عندها فقط سنكون قد بدأنا إصلاح التعليم، لا مجرد إدارة أزماته.
[email protected]
كاتب بالأهرام متخصص فى شئون التعليم




