دكتور حماد الرمحي يكتب: وزير التموين.. عدو الغلابة!

دكتور حماد الرمحي يكتب: وزير التموين.. عدو الغلابة!

أمام طوابير مكاتب التموين ومخابز الغلابة، لا تُسلب لقمة العيش فحسب، بل تُذبح الكرامة على عتبات «خوارزميات وزير التموين» وسيستم القهر والإقصاء والطرد من رحمة الحكومة.
هناك، تتحول البطاقة الذكية إلى حكم بالإعدام جوعًا، يُنفَّذ بدم بارد، لتبدأ مأساة حقيقية يعيش فصولها ملايين المطحونين الذين باتوا، في نظر الدكتور شريف فاروق، وزير التموين، مجرد أرقام ينبغي حذفها، ليظل محفورًا في ذاكرة التاريخ بأنه «عدو الغلابة».
حكايات المقهورين
حكايات المقهورين، ودموع المحرومين، وحسرات المطرودين من رحمة وزير التموين، تلهب القلوب أمام أبواب المخابز، ففي أحد مخابز بولاق الدكرور، وقفت السيدة المسنة «أم محمد» تضم بطاقتها التموينية إلى صدرها، وكأنها آخر ما تملك في الدنيا، لحظة واحدة كانت كافية لتنهار، بعدما رفضت ماكينة صرف الخبز بطاقتها بحجة «مخالفة بناء» رغم أنها من الأسر المستفيدة من برنامج «تكافل وكرامة»، خرجت وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها، وكأنها لا تبكي على بطاقة تموين، بل على آخر باب كان يحمي أبناءها من الجوع.
لم يكد المشهد ينتهي حتى جاء «عادل شوقي» يحمل في عينيه خوف الأب على مستقبل أولاده، مرر بطاقته، فجاءه الرد القاسي: «بطاقتك وقفت» والسبب أن أبناءه يدرسون في مدرسة خاصة لا تتجاوز مصروفاتها 13 ألف جنيه سنويًا، وهي مصروفات وفرها بالاستدانة والعمل الإضافي، ليجد نفسه في النهاية يُعاقب لأنه حاول أن يمنح أبناءه تعليمًا أفضل.
حرمان أسرة بالكامل من الدعم
وخلفه وقف العم «مصطفى» يتكئ على عكازه أكثر مما يتكئ على قدميه، لم تكن سيارته رفاهية، بل مصدر الرزق الوحيد لابنه العاطل بعد شرائها بالتقسيط ضمن مبادرة «الإحلال» لكن الخوارزمية لم ترَ فيها وسيلة عمل، بل رأت فيها سببًا كافيًا لحرمان أسرة كاملة من الدعم.
أما المشهد الأكثر وجعًا، فكان لأم اليتامى «أم أحمد» التي تعول أربعة أيتام، لم تجد تفسيرًا لاستبعادها سوى أن ابنها من ذوي الإعاقة يمتلك سيارة خُصصت لخدمته، في لحظة واحدة، تحولت الميزة التي منحها له القانون إلى تهمة، وأصبح الحق الذي كفله الدستور سببًا لحرمان الأسرة من أبسط حقوقها.
إنها مقصلة الاستبعاد التي تُدار بلا رحمة، حيث تحولت وزارة التموين، التي وُجدت أصلًا لحماية الفقراء، إلى قاضٍ يتربص بهم، يفتش في تفاصيل حياتهم، ويبتكر المبررات ليحرم البسطاء من آخر خيط يربطهم بأساسيات الحياة.
ما لا يدركه وزير التموين
إن ما لا يدركه وزير التموين أن رغيف الخبز لم يكن يومًا مجرد سلعة غذائية يُقاس وزنها بالجرامات، أو يُحدَّد ثمنها بالقروش، بل ظل، عبر قرون طويلة، صمام أمان اجتماعي، وعهدًا غير مكتوب بين الدولة والفقراء، يحمي ملايين الأسر من قسوة الجوع وتقلبات الأسواق العاتية.
إنه عهدٌ سماوي اختصت به مصر دون سائر الأمم، شرعه عزيز مصر ورئيس وزرائها نبي الله يوسف الصديق عليه السلام، بوحي من الله، حين ادّخر القمح للناس خلال سبع سنين من الخصب، ليمنحه لهم في سبع سنين من الجدب، فصارت شرعة سيدنا يوسف عهداً ودستوراً لكافة ملوك وحكام مصر حتى يومنا هذا.
بطلان معايير وزير التموين
طبقات الشعب الكادح تكشف بطلان معايير وزير التموين
إن قرار «تنقية قواعد البيانات» الذي يبدو في ظاهره الرحمة، وفي باطنه العذاب، هو في حقيقته حقٌّ يُراد به باطل، فالهدف المعلن هو إيصال الدعم إلى مستحقيه، أما النتيجة الفعلية فهي تقليص قاعدة المستفيدين تمهيداً لتطبيق الوجه القبيح من برامج الدعم وهو «برنامج الدعم النقدي»، وقد بدأت وزارة التموين تنفيذ هذا المسار بحذف نحو 13 مليون مواطن من أصل نحو 71 مليونًا كانوا مدرجين في منظومة دعم السلع التموينية.
جاءت هذه الإجراءات في ذروة أزمة معيشية غير مسبوقة، بعدما أرهقت موجات التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، والارتفاع المتواصل في أسعار الغذاء والخدمات، ملايين الأسر، ليصبح أي مساس بمنظومة الدعم طعنة في العدالة الاجتماعية والأمن الغذائي، لا مجرد «ترشيد للإنفاق» كما تروج الحكومة.
التموين تبنت معايير للاستبعاد «شبه حقيقية»
المشكلة أن وزارة التموين تبنت معايير للاستبعاد «شبه حقيقية» واعتمدت على خوارزميات الأرقام بلا رحمة، حيث اعتبرت امتلاك سيارة قرينة على الثراء، بينما قد تكون مصدر الرزق الوحيد لأسرة كاملة، ورأت في ارتفاع فاتورة الكهرباء دليلًا على الرفاهية، متجاهلة زيادات الأسعار المتلاحقة والأجهزة المنزلية القديمة التي تلتهم الكهرباء، كما اعتبرت تجاوز الدخل 9,600 جنيه شهريًا سببًا كافيًا للحرمان، رغم أن هذا الدخل لا يعني امتلاك فائض مالي، إذ قد تلتهمه أقساط السكن، أو قروض العلاج، أو مصروفات المدارس، أو أعباء الحياة التي تضاعفت بصورة غير مسبوقة، وهكذا حاكمت الوزارة المواطن بما يملك، لا بما يتبقى له من دخل حقيقي.
مؤشرات البنك الدولي تقسم المجتمع المصري إلى أربع شرائح متداخلة
أما مؤشرات البنك الدولي، فلم تعرف طريقها لوزارة التموين، حيث قسمت المجتمع المصري إلى أربع شرائح متداخلة، يفصل بينها خيط رفيع قد تقطعه أزمة صحية، أو فاتورة تعليم، أو موجة غلاء جديدة.
أما الشريحة الأولى وهي شريحة تحت خط الفقر المدقع (Extreme Poverty) وهي الأشد فقرًا، وتحتاج إلى 2.15 دولار للفرد يوميًا، أي نحو 258 دولارًا شهريًا لأسرة من أربعة أفراد، بما يعادل 12,688 جنيهًا، وهو الحد الأدنى الذي يمنع الجوع ويضمن البقاء ولا يضمن الحياة الكريمة، ويعيش تحت هذا الخط نحو 4.5% من سكان مصر، أي ما يقارب 4.8 مليون مواطن.
الشريحة الثانية، وهي الطبقة الفقيرة
أما الشريحة الثانية، وهي الطبقة الفقيرة، فتحتاج إلى 3.65 دولار للفرد يوميًا، أي نحو 438 دولارًا شهريًا للأسرة، بما يعادل 21,540 جنيهًا، لتوفير الحد الأدنى من الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، وتمثل نحو 33.5% من السكان، أي ما يقارب 35.8 مليون مواطن، يعيشون في معركة يومية مع تكاليف الحياة، حيث يتحول أي ارتفاع جديد في الأسعار إلى عبء يفوق طاقتهم.
الطبقة الثالثة أو كما يطلق عليها الطبقة الهشة أو «المستورة
ثم تأتي الطبقة الثالثة أو كما يطلق عليها الطبقة الهشة أو «المستورة» وهي الشريحة التي تعيش على حافة الفقر، وهي الأكثر عددًا والأشد قلقًا، فهي تحتاج إلى ما بين 3.65 و6.85 دولار للفرد يوميًا، أي ما بين 438 و822 دولارًا شهريًا للأسرة، بما يعادل 21,540 إلى 40,425 جنيهًا، هذه الأسر تعيش على حافة الفقر، تستطيع الوقوف اليوم، لكنها قد تنهار غدًا إذا مرض عائلها، أو تعطلت سيارته التي يعمل عليها، أو ارتفعت مصروفات دراسة أبنائه، أو اجتاحت الأسواق موجة تضخم جديدة.
الشريحة الرابعة فهي «الطبقة المتوسطة
أما الشريحة الرابعة فهي «الطبقة المتوسطة» والتي لا يتحقق لها الاستقرار إلا عند دخل يتجاوز 6.85 دولار للفرد يوميًا، أي أكثر من 822 دولارًا شهريًا للأسرة، بما يعادل 40,425 جنيهًا فأكثر، وهو المستوى الذي يسمح بالحياة دون خوف دائم من الغد.
وتؤكد الأمم المتحدة هذه الحقيقة، إذ تشير إلى أن متوسط دخل المواطن المصري يبلغ نحو 3,900 دولار سنويًا، أي نحو 325 دولارًا شهريًا، بما يعادل قرابة 15,984 جنيهًا وهذا المتوسط لا يعبر عن الثراء، بل يقع أصلًا بين خط الفقر المدقع وخط الفقر المعتدل، بما يكشف أن غالبية المصريين لا يعيشون في رخاء، وإنما في منطقة رمادية، يتأرجحون فيها بين الكفاف والحاجة.
معايير وزير التموين بعيدة عن الحقيقة
ولهذا تبدو معايير وزير التموين بعيدة عن الحقيقة ونبض الشارع، حيث ساوت بين من يملك وسيلة عمل ومن يملك ثروة، وبين من يقترض ليُعلّم أبناءه ومن ينفق على الرفاهية، وبين من ارتفعت فاتورته بفعل قرارات الحكومة ومن يبدد المال ترفًا، إنها معايير تقيس مظاهر الحياة، لا حقيقتها، وتحاسب المواطن على ما يبدو عليه، لا على ما يعانيه.
منظومة الدعم في مصر.. ماذا تكشف أرقام الموازنة العامة؟
إذا كانت مأساة الفقراء تُقرأ في طوابير المخابز ودموع المحرومين، فإن حقيقتها تكشفها أرقام الموازنة العامة، فبينما تبرر الحكومة استبعاد الملايين بترشيد الإنفاق، تطرح الأرقام سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل أصبح الفقراء هم الحلقة الأضعف التي تُدفع وحدها ثمن الإصلاح الاقتصادي؟
تشير بيانات الموازنة إلى أن مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية بلغت نحو 134.15 مليار جنيه، منها أكثر من 90 مليار جنيه لدعم الخبز، بينما ارتفع إجمالي مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى نحو 635.9 مليار جنيه، ومع ذلك، فإن دعم الخبز والسلع التموينية لا يمثل سوى 3.4% من إجمالي المصروفات العامة البالغة 3.9 تريليون جنيه، ولا يتجاوز 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسب تؤكد أن الدعم السلعي ليس العبء الأكبر على الموازنة إذا ما قورن بخدمة الدين العام.

ارتفاع مخصصات الدعم مع التضخم والزيادة السكانية
كما أنه من الطبيعي أن ترتفع مخصصات الدعم مع التضخم والزيادة السكانية، لذلك قفزت من 41.1 مليار جنيه في موازنة 2016/2017 إلى نحو 134.2 مليار جنيه في 2025/2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف، لكن هذه الزيادة لا تعني اتساع مظلة الحماية الاجتماعية، بل عكست ارتفاع تكلفة القمح والطاقة والنقل بعد التعويم، بينما تقلصت قاعدة المستفيدين باستبعاد ملايين المواطنين، لتنشأ مفارقة مؤلمة، أن «الدعم يزداد في دفاتر الموازنة، ويتراجع على موائد الفقراء».
رسالتي الأخيرة إلى السيد شريف فاروق وزير التموين:
ن الدول لا تُقاس بما توفره في دفاتر الحسابات، بل بما تحميه من حماية وكرامة للمواطنين، وقد تنجح السياسات المالية في تقليص أرقام العجز، لكنها تفقد معناها حين يكون ثمنها اتساع دائرة الجوع وانكسار الثقة بين المواطن ودولته.
وإذا كان لا بد من إصلاح اقتصادي، فإن أول شروطه ألا يبدأ من موائد الفقراء، وألا يكون رغيف الخبز هو أول ما يُقتطع من حقوقهم، فالأوطان تُبنى بالإنتاج والعدالة معًا، ويظل الخبز، قبل أن يكون بندًا في الموازنة، حقًا في الحياة، وخط الدفاع الأخير عن السلم الاجتماعي وكرامة الإنسان، والأمن القومي للبلاد.



