لم يكن نجاة… كان تأجيلًا للموت.. دعاء فتحي

لم يكن نجاة… كان تأجيلًا للموت
دعاء فتحي

بعض العواصف لا تهب من السماء… بل من داخلنا.
هذه قصة عن النجاة المؤقتة، عن التمسك في اللحظة التي يوشك فيها كل شيء أن ينهار، وعن الحقيقة التي لا تُقال إلا بعد أن تهدأ الريح.
لم تأتِ العاصفة من السماء.
هذا أول كذب صدّقه الجميع.
العاصفة خرجت من صدور الناس،
من الكلام الذي لم يُقال،
ومن القرارات التي تأخرت حتى تعفّنت.
كان الطريق طويلًا أكثر مما ينبغي،
والسماء منخفضة كأنها تضغط على الرؤوس عمدًا.
الريح لا تصفر…
الريح تصرخ.
كأنها تطالب بشيء لم يعد ممكنًا.
في اللحظة التي بدأت فيها الأشياء تتساقط،
سقط هو أولًا من داخله.
لم يسقط جسده،
بل سقط يقينه الأخير
بأن الصبر وحده كافٍ للنجاة.
وعلى بُعد خطوات،
كانت هي تحاول أن تثبت قدميها فوق أرضٍ
تعلّمت الخيانة أكثر مما تعلّمت الثبات.
لم تطلب النجدة،
لأنها تعرف أن النداء
أحيانًا
يردّ متأخرًا.
حين التقت الأيدي،
لم يكن ذلك إنقاذًا.
كان اتفاقًا صامتًا بين شخصين
لا يملكان رفاهية السقوط الآن.
تشابكت الأصابع بقسوة،
ليس خوفًا من الريح،
بل خوفًا من الاعتراف
أن كلًّا منهما كان على وشك الانهيار وحده.
اقتربت الأجساد،
واختلطت الأنفاس،
وتقاسم الاثنان عبئًا أكبر من الحب:
الخوف من أن ينجو أحدهما
ويترك الآخر فريسةً للعاصفة.
كلما اشتدت الضربات،
ازداد التماسك،
لا شجاعة…
بل عناد.
العاصفة لم تُهزم،
هي فقط ملّت.
وحين انقشعت السماء،
ظهر الطريق عاريًا،
قاسيًا،
خالٍ من الأعذار.
نظرت هي حولها،
رأت ما تحطّم،
ورأت نفسها بوضوحٍ لأول مرة.
ثم أفلتت يده.
لم تقل وداعًا،
لأن الوداع يفترض الندم،
وهي لم تندم.
مضت،
لأن بعض من نتمسك بهم في العواصف
نتمسك بهم فقط
كي لا نموت خوفًا،
لا لأنهم يصلحون للحياة بعدها.
بقي هو واقفًا،
لا مهزومًا
ولا منتصرًا،
فقط
شخصًا فهم متأخرًا
أن النجاة أحيانًا
ليست سوى
تأجيل محترم للموت



