بقلم !!!

البكالوريا المصرية.. ماذا لو لم يعد الفشل نهاية العالم؟

البكالوريا المصرية.. ماذا لو لم يعد الفشل نهاية العالم؟

بقلم الخبير التربوي

الدكتور ناصر الجندي

الدكتور ناصر الجندي
الدكتور ناصر الجندي

في صباح يوم الامتحان، لا يدخل الطالب المصري إلى اللجنة وحده. يدخل معه أبٌ قضى عامًا كاملًا يحسب الدرجات قبل أن تُكتب، وأمٌّ حفظت مواعيد الامتحانات أكثر مما حفظت مواعيد نومها، وأسرةٌ كاملة علّقت أحلامها على رقم سيظهر بعد أسابيع على شاشة هاتف.

يدخل الطالب وفي جيبه قلم، وعلى كتفيه مستقبل كامل. ولهذا لم تكن الثانوية العامة، في الوعي المصري، مجرد امتحان. كانت شيئًا أقرب إلى محكمة مؤجلة.

سؤال واحد قد يرفعك، وسؤال آخر قد يسقطك، وورقة إجابة لا تتجاوز بضع صفحات يمكن أن تتحول في ساعات إلى حديث عائلة كاملة، وربما إلى حكم اجتماعي على طالب لم يتجاوز السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره. ثم جاءت البكالوريا.

والسؤال الذي شغل الناس كان: ما المواد؟ كيف ستكون الامتحانات؟ كيف سيُحسب المجموع؟ وما الذي سيتغير؟ لكنني أظن أننا نسأل الأسئلة الأقل أهمية. لأن السؤال الأهم ليس: كيف سيمتحن الطالب؟

بل: ماذا سيحدث لعقل الطالب عندما يعرف أن لديه فرصة أخرى؟

هذه ليست مسألة إجرائية. هذه مسألة تربوية ونفسية وإنسانية.

 

الامتحان الذي كان أكبر من حجمه

لسنوات طويلة، صنعنا من امتحان واحد شيئًا أكبر من الامتحان نفسه. قلنا للطالب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: “ذاكر جيدًا، لأن هذه فرصتك.”

ثم أضفنا: “مجموعك سيحدد كليتك.” ثم: “كليتك ستحدد مستقبلك.” ثم انتهى الأمر في عقل الطالب إلى معادلة مخيفة: خطأ في الامتحان = خطأ في المستقبل. وهنا تبدأ المشكلة.

فالطالب الذي يعتقد أن الخطأ نهاية الطريق، لا يتعلم كيف يفكر. يتعلم كيف يخاف. والطالب الذي يخاف من الخطأ، يبحث عن الإجابة الآمنة، لا عن الإجابة الصحيحة. يحفظ ما يضمن له الدرجة، ويتجنب ما قد يعرّضه للمجازفة.

ولهذا فإن أخطر ما فعلته ثقافة “الفرصة الواحدة” لم يكن أنها أرهقت الطلاب فقط، بل أنها صنعت في بعضهم عقلية لا تحتمل الفشل. وهذه ليست مشكلة امتحان. هذه مشكلة تربية.

1282735

تخيلوا لو طبقنا منطق الثانوية العامة على الحياة!

تخيل أن الطبيب أمام أول عملية جراحية في حياته وقيل له: “هذه فرصتك الوحيدة، وإذا أخطأت انتهت مهنتك.” وتخيل المهندس أمام أول تصميم له: “إذا اكتشفت خطأ في الحساب، فلن يسمح لك بإعادة التصميم.” وتخيل الباحث وهو يجري تجربته الأولى في المختبر: “إما أن تنجح التجربة من المرة الأولى، أو لا تصلح للبحث العلمي.” هذا الكلام يبدو غير معقول عندما نقوله بهذه الصورة. لأننا نعرف أن الحياة لا تعمل هكذا. 

البحث العلمي قائم على المحاولة والخطأ. والتعلم قائم على التغذية الراجعة. والإبداع يحتاج إلى التجريب. والإنسان نفسه لا ينضج لأنه لم يخطئ، وإنما لأنه تعلم ماذا يفعل بعد الخطأ.

فلماذا كنا نريد من الطالب أن يكون الكائن الوحيد في المجتمع الذي يجب أن ينجح من المرة الأولى؟

 

البكالوريا ليست امتحانًا جديدًا.. إنها سؤال جديد

هنا أرى أن القيمة الحقيقية لفكرة البكالوريا لا تكمن فقط في تغيير شكل الامتحان. القيمة الأعمق أن النظام يمكن أن يغيّر الرسالة التي نرسلها إلى الطالب. بدل: “هذه فرصتك الوحيدة.” نقول: “هذه رحلة، ويمكنك أن تراجع مسارك.”

وبدل: “خطأ واحد قد يهدم كل شيء.” نقول: “التعثر جزء من التعلم، والمهم أن تعرف كيف تستفيد منه.”

هذا التحول يبدو بسيطًا. لكنه في الحقيقة عميق جدًا. لأن الطفل الذي يتعلم أن لديه فرصة للمراجعة، ينمو بعقل مختلف عن الطفل الذي يعتقد أن كل قرار نهائي. الأول يتعلم المسؤولية. والثاني يتعلم الخوف.

الأول يسأل: “ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟”

والثاني يسأل: “ماذا سيحدث لي إذا أخطأت؟”

وبين السؤالين توجد مسافة هائلة اسمها النضج.

 

لكن هناك فخًا يجب ألا نقع فيه

وهنا يجب أن نكون صريحين. مجرد وجود فرص متعددة لا يصنع تعليمًا أفضل. يمكن أن نغير اسم النظام، ونغير الجداول، ونغير عدد مرات الامتحان، ونبقي العقل القديم كما هو. وحينها سنكون قد غيّرنا شكل البكالوريا ولم نغيّر فلسفة التعليم.

إذا ظل الطالب يذاكر من أجل الدرجة فقط، فستتحول الفرص الإضافية إلى فرص إضافية للقلق. وإذا ظل المعلم مطالبًا بإنهاء المنهج قبل أن يفكر في بناء الفهم، فلن تصنع البكالوريا طالبًا مختلفًا.

وإذا ظل ولي الأمر يقيس نجاح ابنه بالرقم فقط، فلن تكفي كل محاولات الإصلاح. وإذا بقيت المدرسة مكانًا للحصول على الإجابة النموذجية، بدل أن تكون مكانًا لتكوين العقل، فسنجد أنفسنا أمام نظام جديد بعقل قديم.

وهذا هو التحدي الحقيقي.

 

لا نريد طالبًا يعرف كيف ينجح في الامتحان فقط

نحن بحاجة إلى طالب يستطيع أن ينجح بعد الامتحان. وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها. العالم الذي ينتظر أبناءنا لا يسألهم: “كم حصلت في امتحانك؟”

العالم سيسألهم: هل تستطيع أن تتعلم شيئًا جديدًا؟ هل تستطيع أن تعمل مع الآخرين؟ هل تستطيع أن تتعامل مع مشكلة لم ترها من قبل؟ هل تستطيع أن تستخدم المعرفة بدل أن تستعرضها؟ هل تستطيع أن تتخذ قرارًا؟ هل تستطيع أن تقول: “لا أعرف”، ثم تبدأ رحلة البحث عن الإجابة؟ وهل تستطيع، والأهم من كل ذلك، أن تتعثر دون أن تنهار؟ 

هنا بالضبط تصبح البكالوريا فرصة لإعادة تعريف معنى النجاح. فالنجاح ليس أن يخرج الطالب من المدرسة وهو يحمل أكبر قدر ممكن من المعلومات. النجاح أن يخرج منها وهو يحمل أكبر قدر ممكن من القدرة على التعلم.

 

أخطر كلمة يجب أن نحذفها من قاموس أبنائنا

ربما تكون كلمة “فاشل”. كلمة صغيرة. لكنها تستطيع أن تهدم إنسانًا. طالب حصل على درجة أقل مما كان يتوقع، فيسمع: “أنت فاشل.”

طالب لم يدخل الكلية التي أرادها، فيشعر أن مستقبله انتهى. طالب تعثر في مادة، فيتعامل مع نفسه وكأن المشكلة ليست في أداء محدد، وإنما في شخصيته كلها. وهنا يأتي دور النظام التعليمي الحقيقي. ليس أن يمنع الفشل. فهذه مهمة مستحيلة. بل أن يعلم الإنسان كيف يختلف عن فشله.

أن يقول للطالب: أنت لم تفشل. أنت تعثرت في محاولة. وهناك فرق بين الإنسان ومحاولته.

 

من “الدرجة النهائية” إلى “الرحلة”

ربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يمكن أن تمنحه البكالوريا المصرية. أن نتوقف عن النظر إلى التعليم باعتباره سباقًا ينتهي عند خط النهاية. التعليم ليس خط نهاية. التعليم رحلة. والطالب ليس رقمًا في كشف. والامتحان ليس حكمًا على قيمة الإنسان. والدرجة ليست شهادة صلاحية للحياة. هي مجرد مؤشر على أداء في وقت محدد، في مادة محددة، في ظروف محددة.

أما الإنسان، فأكبر بكثير من ورقة إجابة. هذه الفكرة لو وصلت إلى الطالب، فقد حققنا إنجازًا تربويًا يتجاوز بكثير أي تعديل في جدول الامتحانات.

 

تخيلوا طالب البكالوريا بعد سنوات

قد لا يتذكر كل الأسئلة التي جاءت في امتحاناته. وقد ينسى حتى بعض الدرجات التي كان يبكي من أجلها. لكنه سيتذكر شيئًا آخر. سيتذكر هل كانت المدرسة مكانًا أخافه من الخطأ، أم مكانًا علمه كيف يتعامل معه.

وهنا أظن أن نجاح البكالوريا لن يقاس فقط بعدد الطلاب الذين حصلوا على درجات مرتفعة. بل بعدد الطلاب الذين خرجوا منها وهم أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر قدرة على الاختيار، وأكثر استعدادًا لتحمل نتيجة قراراتهم، وأكثر إيمانًا بأن التعثر لا يعني النهاية.

وهذه هي البكالوريا التي نريدها. ليست بكالوريا تمنح الطالب فرصة ثانية للامتحان فقط. بل بكالوريا تمنحه فلسفة ثانية للحياة.

almomken.com 0803e62b

ربما تكون أعظم رسالة في البكالوريا: ابدأ من جديد

في مجتمعات كثيرة، يتعلم الإنسان منذ طفولته أن الفشل معلومة. تقول له النتيجة: هنا نقطة ضعفك. إذن عدّلها. حاول مرة أخرى. غيّر طريقتك. اطلب المساعدة. تعلم. ثم تقدم.

أما نحن، فكثيرًا ما تعاملنا مع الفشل باعتباره فضيحة. ولهذا كان الطالب يخفي خطأه، بدل أن يتعلم منه. وكان يخاف أن يقول “لا أعرف”، فيتظاهر بأنه يعرف. وكان يخشى المحاولة، لأن المحاولة قد تكشف نقصه. وربما تكون البكالوريا فرصة للخروج من هذا المنطق كله. أن نعلم أبناءنا درسًا لن تمنحه لهم أي مادة دراسية:

أن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي لم يسقط فيها، وإنما بعدد المرات التي عرف فيها كيف ينهض.

 

ولهذا، فإنني لا أرى البكالوريا مجرد بديل للثانوية العامة. أراها اختبارًا لنا نحن أيضًا. اختبارًا للمدرسة. وللمعلم. ولولي الأمر. وللمجتمع.

فإذا كنا سنغير نظام الامتحان فقط، فقد صنعنا نظامًا جديدًا. أما إذا استطعنا أن نغير علاقتنا بالخطأ والنجاح والدرجة والمستقبل، فنحن عندها لا نغير امتحانًا. نحن نغير ثقافة تعليمية كاملة. وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للبكالوريا المصرية: أن نخرج أخيرًا من زمن كان فيه الطالب يخشى أن تكون لديه محاولة واحدة للحياة، إلى زمن يفهم فيه أن الحياة نفسها لم تكن يومًا امتحانًا من سؤال واحد.

فالإنسان ليس مجموع درجاته.

والتعليم الذي ينسى هذه الحقيقة، مهما بدا حديثًا، يظل قديمًا. أما التعليم الذي يعلم أبناءنا كيف يحاولون، وكيف يخطئون، وكيف يصححون، وكيف يبدأون من جديد… فهذا هو التعليم الذي يستحق أن نسميه تعليم المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى