بقلم !!!

برقيات جيهان عبد الرحمن تكتب ..من الماء والهواء الي العلم والسراب

برقيات

جيهان عبد الرحمن تكتب ..من الماء والهواء الي العلم والسراب

almomken.com e16dc82e
Oplus_16908288

نشر الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، الأستاذ بجامعة الأزهر، نصيحة صريحة لطلابه، لا تخلو من القسوة، لكنها بالتأكيد تعكس رؤية تشكلت من واقع يراه ويعيشه. كتب في أحد جروبات كل ما يخص الجامعة: «يا شباب.. نصيحة صادقة لوجه الله، من أب لابنه ومن أستاذ لتلاميذه.. ما تضيعوش أعماركم في الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه، ما عدش ليهم أي قيمة في زماننا ومكاننا».
ثم مضى الرجل في نصيحته إلى أن البحث العلمي لم يعد بالمعنى الحقيقي، وأن الدراسات العليا أصبحت في كثير من الأحيان مجرد وجاهة اجتماعية، وأن فرص السفر والعمل الأكاديمي تراجعت، داعيًا الشباب إلى البحث عن طريق آخر: الاستثمار فيما يملكون، أو السفر والعمل في أي مجال حلال، مؤكدًا أن العلم أصبح متاحًا للجميع، ولم يعد بالضرورة يحتاج إلى شهادات.
قد يختلف البعض مع الرجل، لكن من الصعب اتهامه بعدم الصدق. فالأستاذ الأكاديمي لم يبع لطلابه وهمًا جميلاً، وإنما واجههم بما يراه حقيقة مؤلمة.
لكن السؤال الأهم: هل هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعتاد عليها، أم الحقيقة التي يجب أن نغيرها؟
منذ سنوات، قال عادل إمام في أحد مشاهده: «بلد شهادات صحيح»، فضحكنا. أما اليوم، فقد يبدو أن العبارة تجاوزت حدود السخرية لتصبح سؤالًا عن قيمة التعليم نفسه.
وفي المقابل، كان هناك مقاتل من نوع آخر، حمل حقيبة وزارة المعارف وهو الدكتور طه حسين، وقال عبارته التي بقيت خالدة: «التعليم كالماء والهواء». ولم يقبل الرجل الوزارة قبل أن تتحقق مجانية التعليم، لأنه كان يؤمن أن بناء الإنسان ليس ترفًا ولا وجاهة، وإنما حق وأساس لبناء الدولة.
يبدو أننا اليوم في حاجة إلى ذلك النوع من المقاتلين؛ من يواجه الخلل في منظومة التعليم والبحث العلمي، بدلًا من أن يتكيف معه ويطلب من الشباب الهروب منه.
لا أحد ينكر أن التعليم يواجه أزمات حقيقية، وأن البحث العلمي يعاني مشكلات في التمويل والفرص وربط المعرفة بسوق العمل. لكن الأخطر من الأزمة نفسها أن يتحول اليأس منها إلى نصيحة للأجيال الجديدة بالتخلي عن العلم.
ولعل بعض القرارات الأخيرة تطرح أسئلة أكثر إلحاحًا حول قيمة الشهادة والتخصص. ففتح بعض المسارات أمام خريجي كليات مختلفة للالتحاق بجامعات خاصة بتخصصات مغايرة، ولو بنسب محدودة، يفرض سؤالًا جوهريًا: هل نحن نعيد تعريف التعليم العالي باعتباره مجرد بوابة للحصول على شهادة، أم باعتباره بناءً حقيقيًا للمعرفة والمهارة والتخصص؟
وحين تصبح جودة المخرجات التعليمية محل جدل، وحين يشعر أستاذ جامعي بأن سنوات الدراسات العليا لا تضمن لصاحبها علمًا ولا فرصة ولا مستقبلًا، فإن المشكلة لم تعد في نصيحته للشباب، وإنما في الواقع الذي دفعه إلى قولها.
لذلك ربما لا يكون السؤال: هل أخطأ الأستاذ الأكاديمي حين نصح طلابه بعدم إضاعة أعمارهم في الدراسات العليا؟
السؤال الأصعب هو: كيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه الأستاذ ينصح أبناءه بالابتعاد عن العلم، بعدما كان أسلافه يقاتلون من أجل أن يصبح التعليم حقًا للجميع؟
المؤلم أن تصبح نصيحة الأستاذ: «واجهوا أنفسكم بالحقيقة ولا تمشوا وراء السراب».
والأكثر إيلامًا أن يكون العلم نفسه هو السراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى