حين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة للإنحدار وقتل القيم .محمد الغول

حين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة للإنحدار وقتل القيم

بقلم .محمد عبد الرشيد
حين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة للإنحدار .. وقتل القيم .. وتفرض علينا خوارزميات لا تعرف العيب .. وتريند يقود المشهد بلا ضمير أو أخلاق .. فهل يقتل الذوق العام على الهواء مباشرة؟ ..(كروان مشاكل .. نموذجا) .. فهذا ليس بسبب السوشيال ميديا .. لكن سوء استخدامها والتعامل معها .. فهل السوشيال ميديا أصبحت مقبرة القيم على مدار 24 ساعة؟ .. هل تحوّل التريند إلى دين… والقيم إلى ضحية؟ .. هل أصبحت المنصات بلا رقابة… والمجتمع بلا حياء؟ .. هل صار الانحدار على الهواء مباشرة؟ .. هل التريند يربح وأقوى من القيم والتقاليد والأصول… وهل القيم تدفع الثمن؟ .. هل صارت الرداءة محتوى. والضجيج ينتصر… والمجتمع يخسر؟
هل صارت القيم وجها لوجه في مواجهة الخوارزميات؟
نحن من نختار الطريق.. ونحدد المسار … فالسوشيال ميديا وسيلة للتواصل والمعرفة والإعلام .. ووجودها مهم وازدادت اهميته لانها باتت في ايدي كل الناس.
نحن لا نعيش عصر حرية… بل عصر فوضى مُصوَّرة .. حين سلّمنا القيم للخوارزميات .. لم يعد الانحدار في القيم حادثًا عرضيًا ولا نتيجة صدفة اجتماعية، بل أصبح مسارًا يوميًا تقوده منصات السوشيال ميديا بلا رقيب ولا حارس.
أداة وُلدت للتواصل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لتطبيع الرداءة، حيث يُكافأ الصخب، وتُسوَّق الجرأة الفارغة، ويُقاس الذوق بعدّاد المشاهدات لا بميزان المعنى.
في عالم بلا بوابة وفلتر ولا فرامل .. ولا مساءلة، صارت المنصات سلاحًا في يد الجميع: من يملك صوتًا أعلى ينتصر، ومن يملك محتوى أجرأ يُصفَّق له، حتى تراجع الحياء خطوة بعد خطوة، وانسحبت القيم بهدوء، تاركة المشهد للضجيج.
لسنا أمام أزمة أخلاق بقدر ما نحن أمام أزمة أدوات تُستخدم بلا وعي، وساحات تُدار بلا قواعد، فحين تُترك المنصات بلا رقابة، لا تُعبّر عن المجتمع… بل تعيد تشكيله على مقاس الأسوأ فيه.
أين نسير… حين يصبح الضجيج بوصلة؟
لم يعد السؤال: ماذا حدث في هذا الفرح؟
بل السؤال الأكثر رعبًا: إلى أين يتجه المجتمع حين يصفّق لما كان يستحي منه؟
في المشهد الأخير من الحكاية، لم يكن هناك عريس ولا عروس، بل جمهور.
جمهور يضحك، يصوّر، يشارك، ثم يسأل بدهشة مصطنعة: «هو إحنا وصلنا لكده إمتى؟»
والإجابة البسيطة المؤلمة: وصلنا حين قررنا أن نضحك بدل أن نعترض، وأن نشارك بدل أن نُقوِّم.
السخرية السوداء أن ما يُقدَّم لنا اليوم بوصفه «تحولًا اجتماعيًا» ليس إلا فراغًا يرتدي أزياء الجرأة.
نحن لا نرى ثقافة جديدة، بل غياب الثقافة.
لا نرى تحررًا، بل انسحابًا جماعيًا للقيم من المشهد، تحت ضغط اللايك والشير.
إلى أين يتجه السلوك؟
يتجه إلى حيث لا حدود، ولا خطوط، ولا معنى لكلمة «عيب».
حين يُربَّى جيل كامل على أن الصوت الأعلى هو الأهم، وأن الصدمة هي الطريق الأسرع للنجاح، يصبح من الطبيعي أن يتحوّل الفرح إلى فضيحة، والفن إلى ضوضاء، والذوق إلى مادة للسخرية.
ولماذا يحدث كل هذا؟
لأن الانضباط انسحب بهدوء، دون أن ننتبه.
خرج من البيوت أولًا، ثم من المدرسة، ثم من الشارع، ثم من الشاشات، حتى أصبح ضيفًا ثقيلاً لا يُستدعى إلا في الخطب.
أما في الواقع، فالقانون متفرج، والمؤسسات صامتة، والمجتمع مشغول بالتصوير.
نحن نعيش عصر «الكل مباح طالما يُشاهَد».
عصر لا يُكافئ الجهد ولا الاحترام، بل يُكافئ الجرأة الفارغة، والاستفزاز الرخيص، وكسر الإيقاع العام للحياة.
حتى صارت الأخلاق تُعامل كخيار شخصي، والانضباط كوجهة نظر قديمة، والذوق كترف لا يليق بزمن السرعة.
والمفارقة المؤلمة أن من يُطالب بعودة النظام يُتَّهَم بالتشدد،
ومن يُطالب بالاحترام يُصنَّف عدوًا للحرية،
ومن يسأل: «هو ده ينفع؟» يُقال له: «كبّر دماغك».
لكن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة.
تنهار ضاحكة.
تنهار وهي تلتقط الصور، وتكتب التعليقات الساخرة، وتؤكد أنها «ما بقتش تفرّق معاها».
عودة الانضباط ليست قمعًا،
بل إنقاذ لما تبقى.
ليست كبتًا، بل حماية للمعنى.
فمن دون حدود، لا توجد حرية،
ومن دون ذوق، لا توجد حضارة،
ومن دون وعي جمعي، يتحول كل فرح إلى إنذار… وكل ضحكة إلى علامة استفهام سوداء.

ماذا حدث حين تحوّل الفرح إلى نشرة إنذار أخلاقي؟
لم يكن ما جرى في فرح كروان مشاكل مجرد زفاف عابر، بل أقرب إلى عرض حيّ لاختبار صبر المجتمع، وتجربة عملية لمدى قدرتنا على ابتلاع الغريب تحت شعار «تريند وخلاص».
فرحٌ يُفترض أن يكون مناسبة للبهجة، فإذا به يتحوّل إلى ساحة استعراض، لا للعاطفة ولا للفرح، بل للضجيج، والمبالغة، وكسر كل ما تبقى من قواعد الذوق العام… وكأننا أمام كرنفال بلا مرجعية، أو مسرح عبثي بلا نص.
شاهد من الذين حضروا الفرح .. ومن الذين سلطت الكاميرا عليهم الأضواء .. ومن النماذج التي تم تسويقها .. مع كامل الاحترام للجميع.
المشهد لم يكن صادمًا لأنه مختلف، فالمجتمعات تتغير بطبيعتها، لكن الصدمة الحقيقية جاءت من طريقة تصدير هذا الاختلاف: اختلاف بلا مضمون، وبلا قيمة، وبلا محاولة للفهم أو التطوير. اختلاف يصرخ ولا يتكلم، يلوّح ولا يُقنع، ويطالب بالتصفيق لأنه فقط «موجود».
الأغرب أن الفرح لم يعد فرحًا، بل رسالة:
رسالة تقول إن الشهرة لا تحتاج جهدًا، وإن الذوق مسألة قابلة للتفاوض، وإن كل ما كان يُعد يومًا «عيبًا» يمكن إعادة تدويره ليصبح «محتوى».
رسالة مفادها أن الصخب بديل للموهبة، وأن الكاميرا قادرة على تلميع أي شيء… حتى لو كان الفراغ نفسه.
وهنا لا نتوقف عند شخص أو اسم، فالأسماء تزول، لكن الظاهرة أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة حثيثة لتطبيع ثقافات دخيلة على المجتمع، لا لأنها جديدة، بل لأنها بلا جذور، بلا سياق، وبلا احترام لروح المكان. ثقافات تُفرض علينا لا بالإقناع، بل بالتكرار، ولا بالقيمة، بل بعدد المشاهدات.
الفرح الذي شاهدناه لم يكن احتفالًا بالحب، بل احتفالًا بالتريند.
ولم يكن إعلانًا عن بداية حياة، بل إعلانًا عن نهاية مسافة كانت تفصل بين الخاص والعام، بين الفرح كقيمة، والفرح كـ«شو».
ويبقى السؤال الساخر الحزين معًا:
هل ما نراه انعكاس لتحوّل المجتمع؟
أم مجرد مرآة مكسورة تعكس لنا أسوأ ما نخشى الاعتراف بوجوده؟
في النهاية، لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي، لكن ربما نحتاج فقط أن نتذكر:
ليس كل ما يُرى يُحتفى به،
وليس كل ما يُصفّق له يستحق البقاء.
في ليلةٍ قيل لنا إنها ليلة العمر، اكتشفنا أنها ليلة التريند.
لم يُرفع العروسان على الأعناق، بل رُفعت الكاميرات، ولم تُزفّ العروس، بل زُفّ المحتوى إلى منصات التواصل، حيث تُقاس الأفراح بعدد المشاهدات، وتُمنح البركة من خوارزميات لا تعرف العيب ولا الحياء.
كان الفرح صاخبًا بما يكفي ليوقظ الذوق العام من نومه… لا ليُسعده، بل ليصفعه.
موسيقى لا تُسمَع بل تُحتمل، حركات لا تُعبّر بل تُستعرض، ومشاهد لو قُدّمت قديمًا لاعتُبرت «قلة أدب»، لكنها اليوم تُسوّق باعتبارها «تحررًا» و«جرأة» و«كسرًا للتقاليد»… وكأن التقاليد هي المتهم الوحيد في قضية انهيار المعنى.
العجيب أن كل شيء كان حاضرًا، إلا الفرح نفسه.
غاب الحياء، وغابت البساطة، وغابت تلك اللحظة الإنسانية التي تجعل الزواج بداية لا استعراضًا. حلّ محلها سباق محموم: من الأكثر غرابة؟ من الأعلى صوتًا؟ من الأجرأ على الذوق العام؟
وكأن العرس تحوّل إلى مسابقة رسمية لتشويه فكرة الفرح.
ولم يكن فنًا، فالفن لا يعتذر عن وجوده بالصراخ.
كان شيئًا هجينًا، بلا اسم، يُقدَّم إلينا باعتباره «واقعًا جديدًا» يجب تقبّله، لا لأنه أفضل، بل لأنه يفرض نفسه بالانتشار.
وهنا تكمن السخرية الكبرى:
نحن لا نعيش أزمة أخلاق بقدر ما نعيش أزمة معايير.
حين يصبح كل ما يثير الجدل «نجاحًا»، وكل ما يُستفز له الناس «تريندًا»، وكل ما يُخجل العائلات «حرية شخصية»، نكون قد خلطنا بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والاستفزاز المتعمّد.
ذلك الفرح لم يكن مرآة للمجتمع، بل كسرًا للمرآة، ثم مطالبتنا بالتصفيق لأن الشظايا «تعكس الواقع».
والحقيقة أن الواقع أعمق وأجمل وأرقى من هذا الاستسهال الفج.
ويبقى السؤال الذي لا يحتاج إجابة:
هل نضحك لأن ما رأيناه مضحك؟
أم لأن البكاء على حال الذوق العام أصبح رفاهية قديمة؟
مجتمع تحت الاختبار… والضجيج هو الإجابة
لم يعد السؤال: إلى أين نتجه؟
بل: من الذي يقود؟
ومنذ متى صار الصخب قائدًا، والابتذال بوصلة، واللاشيء مشروعًا للحياة؟
ما جرى في ذلك الفرح لم يكن حدثًا اجتماعيًا، بل تجربة معملية ناجحة لانهيار المعايير.
حين يتحول الفرح إلى عرض، والفرح نفسه إلى تفصيلة هامشية، ندرك أن المجتمع لم يعد يحتفل… بل يُستهلك.
نحن لا نشاهد انحرافًا عفويًا، بل انزلاقًا مُمنهجًا:
تطبيع الفوضى باسم الحرية،
وتسويق الرداءة باسم الواقع،
وتجميل الانفلات الأخلاقي باعتباره «اختلافًا».
النتيجة واضحة:
جيل يتعلم أن الاحترام ضعف،
والالتزام تخلف،
والضبط الاجتماعي «كبت».
والحقيقة القاسية؟
المجتمعات لا تنهار فجأة،
إنها تضحك أولًا…
ثم تفقد القدرة على الغضب.
والانضباط لم يكن يومًا عدو الحرية،
بل حارسها الأخير.
حين يرقص المجتمع على حافة الانفلات .. تكون الكارثة.
ما حدث لم يكن فرحًا، بل بروفة علنية لمستقبل مرتبك.
مشهد يقول لنا بوضوح: هكذا يبدو المجتمع حين يفقد بوصلته ويحتفظ بالكاميرا فقط.
لم نعد نرى سلوكًا شاذًا يثير الدهشة، بل سلوكًا مكرّرًا يطلب التصفيق.
فالصدمة ماتت من كثرة الاستهلاك، والدهشة أُحيلت إلى المعاش، وبقي الضجيج وحده يعمل بنظام الورديات.
السؤال الأخطر ليس ماذا حدث؟
بل لماذا يحدث؟
يحدث لأن الشهرة أصبحت قيمة مستقلة عن المعنى.
لأن المجتمع استبدل «القدوة» بـ«التريند».
لأن الرداءة لم تعد تُخجل أصحابها، بل تُكافئهم.
نحن أمام ثقافة جديدة لا تُنتج فنًا، بل تستهلك الانتباه.
لا تصنع فرحًا، بل تصنع ضجيجًا.
ولا تسعى للتعبير، بل للاستفزاز، ثم تطالب بالحصانة الأخلاقية تحت لافتة «حرية شخصية».
وهنا تظهر السخرية السوداء:
المجتمع الذي كان يضبط نفسه بنفسه، صار يحتاج من يذكّره بما هو بديهي.
والمشهد الذي كان يُرفض تلقائيًا، صار يخضع للنقاش،
ثم للتبرير،
ثم للتطبيع،
ثم للتكرار…
حتى يصبح الاعتراض هو السلوك الغريب.
لسنا أمام أزمة أخلاق فقط، بل أزمة اتجاه.
اتجاه يسير بلا فرامل،
يخلط بين التحرر والانفلات،
وبين كسر القوالب وكسر القيم،
وبين التجديد وهدم الذوق العام.
والأخطر أن كل ذلك يُقدَّم باعتباره «صورة المجتمع»،
بينما هو في الحقيقة صورة فراغه حين تُسحب منه المعايير.
الانضباط ليس قيدًا،
بل اتفاق غير مكتوب على أن نعيش معًا دون أن نؤذي بعضنا.
وحين يسقط هذا الاتفاق، لا يبقى مجتمع…
بل مسرح كبير،
كل من عليه يصرخ،
ولا أحد يسمع.
والسؤال الأخير، الذي لا يُضحك:
هل ما نراه تطورًا؟
أم أننا فقط نتحرك بسرعة… في الاتجاه الخطأ؟
من حفلة إلى حفلة… كان المجتمع ينسحب بهدوء
لم يبدأ الأمر بفرح، ولن ينتهي به.
الفرح كان مجرد حلقة أخيرة في سلسلة طويلة من «اللاشيء» الذي قُدِّم إلينا باعتباره واقعًا، ثم أُلزمنا باحترامه، ثم طُلب منا الاحتفاء به.
قبل هذا الفرح، شاهدنا أغنيات بلا موسيقى، ومشاهير بلا موهبة، ونجومية تُصنع من فراغ وتُسوَّق بالضجيج .. واقتحام خصوصيات بصورة غير أخلاقية.
شاهدنا من يصعد لأنه صاخب، لا لأنه مجتهد، ومن يُصفَّق له لأنه جريء، لا لأنه مُبدع.
كل مرة كنا نقول: «استثناء».
حتى اكتشفنا أن الاستثناء أصبح هو القاعدة.
الفرح لم يكن صادمًا لأنه غريب، بل لأنه مألوف أكثر مما ينبغي.
مألوف كفيديوهات تتجاوز الذوق ثم تُبرَّر.
مألوف كألفاظ كانت تُهمس فأصبحت تُذاع.
مألوف كمشاهد كان يُغلق التلفاز عند ظهورها، فأصبحت تُفتح الهواتف خصيصًا من أجلها.
نحن لا نعيش انفجارًا أخلاقيًا مفاجئًا، بل تآكلًا بطيئًا.
تآكل المعايير أولًا، ثم اللغة، ثم الحياء، ثم القدرة على الاعتراض دون أن يُقال لك: «كبر دماغك… دي حرية».
وهنا تبلغ السخرية ذروتها:
كل ظاهرة كانت تُقدَّم على أنها «الأخيرة»، اتضح أنها مجرد تدريب على التي تليها.
كل سقف قيل إنه لن يُكسر، انكسر… ثم بُني سقف أوطأ منه.
منذ متى أصبح الاستفزاز مشروعًا؟
ومن أقنعنا أن المجتمع لا يعيش إلا بالصخب؟
ومن زرع في وعينا أن الانضباط نقيض الإبداع، وأن الاحترام عدو الجرأة؟
الحقيقة التي لا تحب الكاميرات سماعها:
المجتمع لا ينهار حين يختلف،
بل حين يتخلى عن الحد الأدنى من الاتفاق على ما يليق وما لا يليق.
ما نراه ليس تحررًا، بل فقدان وزن.
ليس تجديدًا، بل استسهال.
وليس واقعًا، بل نسخة مشوهة منه تُعاد علينا حتى نعتاد القبح فلا نراه.
الانضباط لم يكن يومًا حارسًا للعادات فقط،
بل حارسًا للمعنى.
وحين يغيب المعنى، يتحول كل شيء إلى عرض…
الفرح عرض،
الفن عرض،
الحياة نفسها عرض مؤقت قابل للتجاوز.
والمخيف ليس ما شاهدناه،
بل ما سيأتي بعده إن استمر التصفيق.
فالمجتمعات لا تسقط بالضربة القاضية،
بل بالضحك المتواصل…
إلى أن تنسى لماذا كانت غاضبة.
الطريق إلى الضجيج… كان ممهدًا
لم يسقط المجتمع فجأة في هذا المشهد، بل وصل إليه بخطوات واثقة، هادئة، ومصفق لها.
كل ما جرى في ذلك الفرح لم يكن صدمة، بل تذكيرًا متأخرًا بأننا شاهدنا البروفة أكثر من مرة… وابتسمنا.
قبل الفرح كانت هناك أصوات بلا لحن، وشهرة بلا سبب، ومشاهد تُقدَّم باعتبارها «جرأة»، ثم يُطلب منا احترامها بوصفها «واقعًا».
كنا نظنها عابرة، فإذا بها تتكرر.
نراها مرة على المسرح، ومرة على الشاشة، ومرة في مقطع قصير لا يقول شيئًا، لكنه يُشاهَد ملايين المرات، فيتحول الصفر إلى رقم مؤثر.
ما حدث لم يكن احتفالًا، بل تتويجًا لمسار.
مسار بدأ حين تراجع المعنى خطوة لصالح الصخب،
وحين صار الاستفزاز أسرع طريق للانتباه،
وحين اختلطت الحرية برفض أي معيار، فأصبح الاعتراض «تحجرًا»، والدهشة «تخلفًا».
السخرية السوداء أن كل مرحلة قُدّمت باعتبارها الحد الأقصى، ثم اكتشفنا أنها مجرد تمهيد لما بعدها.
كان هناك دائمًا من يقول: «أسوأ من كده مش هيحصل».
ثم حدث.
وصفق البعض، لا إعجابًا، بل اعتيادًا.
نحن لا نعيش أزمة أخلاق تقليدية، بل أزمة اتجاه.
اتجاه يخلط بين كسر القوالب وكسر القيم،
بين التمرد على الرداءة والتمرد على الذوق العام،
بين التجديد وهدم الفكرة نفسها.
والمفارقة أن المجتمع الذي كان يعرف حدوده بالفطرة، صار يحتاج من يذكّره أن الانضباط ليس قمعًا، بل شرط العيش المشترك.
أن الذوق العام ليس وصاية، بل لغة تفاهم.
وأن الحرية التي لا تعترف بغيرها، تتحول سريعًا إلى فوضى متأنقة.
الفرح الذي رأيناه لم يكن مرآة للمجتمع، بل لقطة مقرّبة لفراغه حين تُسحب منه المعايير.
فراغ يُملأ بالصوت العالي، والحركة الزائدة، والتصفيق لأي شيء… فقط لأنه حدث.
المجتمعات لا تفقد هويتها حين تتغير،
بل حين تكف عن السؤال: لماذا نفعل هذا؟
وحين يصبح كل شيء قابلًا للتبرير، لا يبقى شيء يستحق الاحترام.
والانضباط الذي يُتهم اليوم بأنه عدو الإبداع، كان دائمًا حارسه الصامت.
فالإبداع بلا ضوابط يتحول إلى ضجيج،
والحرية بلا وعي تتحول إلى استعراض،
والمجتمع بلا معايير يتحول إلى مسرح…
الجميع فيه على الخشبة،
ولا أحد يعرف متى ينتهي العرض.
والمقلق حقًا، ليس ما شاهدناه،
بل أننا لم نعد نفزع منه كما ينبغي.
لم يكن ما جرى في فرح كروان… مجرد فرح
لم يكن ما جرى في فرح كروان حادثة عابرة، ولا سقطة مفاجئة في دفتر المجتمع، بل كان مشهدًا كاشفًا، أقرب إلى إعلان رسمي عن نتيجة مسار طويل من التنازلات الصغيرة التي بدت بريئة في بدايتها، ثم تحولت إلى عادة، ثم إلى واقع يُفرض بابتسامة ساخرة تحت لافتة: «هو ده الزمن».
ذلك الفرح لم يهبط علينا من فراغ، بل جاء محمولًا على تاريخ حديث من الضجيج المتراكم.
اكرر .. قبل الفرح كانت هناك شهرة بلا موهبة، وأصوات بلا موسيقى، ومحتوى بلا معنى.
كانت هناك ظواهر تُقدَّم على استحياء، ثم تُكرَّر حتى تفقد قدرتها على الصدمة، ثم تُسوَّق باعتبارها «صورة المجتمع الجديدة».
كل مرة كنا نغلق أعيننا قليلًا، ونقول: «استثناء».
حتى اكتشفنا أن الاستثناء استقر وجلس في الصدارة.
الفرح، في جوهره، كان مجرد حلقة أخيرة في سلسلة واحدة:
سلسلة استبدال المعنى بالصخب،
والقيمة بالانتشار،
والذوق العام بعدّاد المشاهدات.
لم يعد الفرح فرحًا، بل عرضًا.
ولم تعد الكاميرا شاهدًا، بل شريكًا.
صار الهدف ألا نفرح، بل أن نُرى،
وألا نحتفل، بل أن نتصدر.
وهنا تبلغ السخرية السوداء ذروتها:
كل ما كان يُعد يومًا خروجًا عن المألوف، صار يُدافع عنه باعتباره «حرية».
وكل ما كان يُستنكر بالفطرة، صار يحتاج إلى نقاش طويل ليُثبت أنه لا يليق.
اختلطت الحرية برفض أي معيار، فأصبح الانضباط تخلفًا، والاعتراض تحجرًا، والذوق العام تهمة جاهزة.
لسنا أمام انفجار أخلاقي مفاجئ، بل أمام تآكل بطيء ومدروس.
تآكل بدأ باللغة، ثم السلوك، ثم الصورة، ثم الحس العام.
حتى وصلنا إلى لحظة لم نعد نسأل فيها: «هل هذا صحيح؟»
بل: «هل هو منتشر؟».
والمفارقة المؤلمة أن كل مرحلة قُدّمت باعتبارها الحد الأقصى، ثم اتضح أنها مجرد تدريب لما بعدها.
كان هناك دائمًا سقف أخلاقي يُقال إنه الأخير… ثم يُكسر، ويُبنى تحته سقف أوطأ، ويُطلب منا التكيف.
ما نراه اليوم لا يمثل المجتمع، بل يمثل فراغه حين تُسحب منه المعايير.
فراغ يُملأ بالصوت العالي، والحركة الزائدة، والاستعراض الفارغ.
ليس هذا فنًا، فالفن لا يصرخ ليُثبت وجوده.
إنه شيء هجين، بلا اسم، يعيش فقط على قدرته على الاستفزاز.
الانضباط، الذي يُتهم اليوم بأنه عدو الحرية، كان دائمًا شرطها.
فالمجتمع لا يعيش بلا قواعد،
ولا يبدع بلا حدود،
ولا يتطور وهو يهدم لغته المشتركة.
المجتمعات لا تسقط حين تختلف،
بل حين تكف عن الاتفاق على الحد الأدنى مما يليق.
وحين يصبح كل شيء قابلًا للتبرير، لا يبقى شيء يستحق الاحترام.
والفرح الذي شاهدناه لم يكن إعلانًا عن تحرر،
بل إشارة إنذار.

إنذار يقول إننا نتحرك بسرعة… لكن دون بوصلة.
والمقلق حقًا ليس ما شاهدناه،
بل أننا لم نعد نفزع منه كما ينبغي.
إن ما يحدث ليس حادثة اجتماعية، ولا حتى زلة ذوق عابرة، بل مشهدًا توثيقيًا لانتصار الضجيج على المعنى، واحتفالًا رسميًا بانسحاب المجتمع من دوره، تاركًا المسرح فارغًا إلا من الصراخ.
إن ما يحدث لم يسقط من السماء، ولم يولد فجأة، بل جاء ثمرة طبيعية لسنوات من التطبيع البطيء مع الرداءة.
سنوات قيل لنا فيها إن «المحتوى الخفيف» لا يضر، وإن «الجرأة» شجاعة، وإن «التريند» مقياس النجاح الوحيد.
وكل مرة صدّقنا… أو تظاهرنا بعدم الانتباه.
قبل هذا الفرح، كانت هناك أصوات تُسمَع لا لأنها جميلة، بل لأنها عالية.
وشهرة تُصنع لا لأنها مستحقة، بل لأنها مستفزة.
ومشاهد تُدافع عن نفسها لا بالقيمة، بل بعدد المشاركات.
كان الصفر يرتدي بدلة لامعة، ويُقدَّم إلينا باعتباره رقمًا مؤثرًا.
الفرح لم يكن احتفالًا بالحب، بل استعراضًا للفراغ.
لم تُزفّ العروس، بل زُفّ المحتوى.
ولم تُرفع الأيدي بالدعاء، بل بالكاميرات،
ففي زمننا هذا، لا بركة إلا بما توافق عليه الخوارزميات.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء الثقيلة:
كل ما كان يُعد قلة ذوق، أُعيدت تسميته «حرية شخصية».
وكل ما كان يُستنكر بالفطرة، صار يحتاج لجنة تحكيم لتحديد ما إذا كان يليق أم لا.
اختفت الحدود، لا لأننا تجاوزناها، بل لأننا أنكرنا وجودها من الأساس.
لسنا أمام انفلات مفاجئ، بل أمام مشروع طويل الأمد لهدم الحس العام.
مشروع يبدأ بإضحاك الناس،
ثم بإرهاقهم،
ثم بإقناعهم أن الغضب «مبالغة»،
وأن الاعتراض «تشدد»،
وأن الصمت «حكمة».
كل مرحلة قيل لنا إنها النهاية، ثم اتضح أنها مجرد تسخين.
كل سقف أخلاقي كُسر وسط تصفيق بارد،
ثم بُني تحته سقف أقل،
وقيل لنا: «اتعودوا… ده الطبيعي الجديد».

ما نراه اليوم لا يمثل المجتمع، بل يمثل لحظة تخلّيه عن نفسه.
لحظة قرر فيها أن يكون متفرجًا لا حكمًا،
ومستهلكًا لا صانعًا،
ومُصفقًا لا سائلًا.
ليس هذا فنًا، فالفن لا يعيش على الصدمة وحدها.
بلا أصل ولا أفق،
يتغذى على الاستفزاز،
ويموت فور انطفاء الضوء… ليعود صارخًا في المشهد التالي.
الانضباط، الذي يُعامل اليوم كجريمة، لم يكن يومًا عدو الحرية،
بل آخر ما يحميها من التحول إلى فوضى استعراضية.
فالمجتمع بلا معايير لا يصبح متحررًا،
بل يصبح سهل الانقياد،
قابلًا للتشكيل،
مستعدًا للتصفيق لأي شيء… فقط لأنه حدث.
المجتمعات لا تسقط حين تختلف،
ولا حين تتغير،
بل حين تفقد قدرتها على الشعور بالخجل.
والمقلق حقًا ليس ما شاهدناه،
بل أننا شاهدناه كاملًا…
والآن ننتظر الفيديو التالي.



