برقيات .. من خيمة شمعون إلى بيت أزهار ..بقلم جيهان عبد الرحمن

برقيات
من خيمة شمعون إلى بيت أزهار

جيهان عبد الرحمن
حاصرتني إعلانات «فيسبوك» عن مجموعة قصصية للكاتب والطبيب د. أسامة عبد الرؤوف الشاذلي، فخضعت لها، وطلبتها أونلاين. بدأت بالقصة الأولى: أوراق شمعون المصري، دون توقعات كبيرة، سرعان ما شدّني النص إلى منطقة أبعد من القراءة، منطقة الأسئلة الثقيلة.
شمعون بن زخاري، نجّار مثل أبيه، دوَّن أخبار بني إسرائيل في برية سيناء، وكتبها باللغة المصرية القديمة. شهد معجزة شق البحر مع أهله، وعاصر نبي الله موسى حتى وفاته، وسجّل شهادته على جيلٍ اصطفاه الله، وأغدق عليه المعجزات، ثم غضب عليه فأهلكه في البرية، وأذاقه شقاء الارتحال ومرارة التيه. لم يكتب شمعون بطولة، بل كتب انكسار أمةٍ حين تضلّ طريقها رغم كثرة الآيات.
مزج العمل أزمنة تاريخية متباعدة؛ فتداخلت إشارات رومانية ويهودية ومسيحية وإسلامية، ووردت أحداث ذُكرت في القرآن لكن بتناول مختلف، كما استخدم لفظ «إيل» دلالة على الرب، وهو اسم سامي قديم ورد في اللغات العبرية والكنعانية بمعنى الإله. هذا المزج جعل البعض يتوقف عند تصنيف النص: هل هو تاريخي أم ديني أم صوفي؟ لكن ربما كانت إشكاليته الحقيقية أنه نص إنساني يرفض الانضباط داخل خانة واحدة.
ما استوقفني حقًا لم يكن الجدل، بل الإنسان. السلوك، والأخلاق، والعلاقات الأسرية، والمشاعر التي لا يعترف بها التاريخ الرسمي. يتجلى ذلك بوضوح في مشهد ليلة زفاف شمعون من «أروى»، الفتاة التي كانت على دين إسماعيل، بينما هو يهودي الديانة، مصري الانتماء، يبحث عن أهله بعد التيه.
نشآ معًا منذ الطفولة، وكانت موعودة لابن عمها، وكان زواجها من شمعون شبه مستحيل… لكنه حدث.
كانت أروى خائفة ترتجف، وأمها ومربيتها «أم السعد» تقفان بقطعة القماش الأبيض انتظارًا لعلامة الدم، والرجال خارج الخيمة يترقبون إعلان الفرح المشروط تحت مسمي الشرف، في لحظة وعي نادرة، جرح شمعون يده، فسال الدم، وأنهى الطقس القاسي بحيلة رحيمة، فوافقت الأم، وخرجت لتعلن الفرح. انتصر للإنسان قبل العادة، وللرحمة قبل الطقس، ونجا الحب من اختبارٍ مهين. مضت الحياة، وأنجبا عشرة أبناء، آخرهم «زخاري» على اسم الجد.
هذا المشهد، الذي تضعه الرواية في زمن نبي الله موسى، ليس حكاية من الماضي. بعد أكثر من ألفي عام، ما زال يتكرر، لكن بلا رحمة. بالأمس القريب في أسيوط، قطع رجل رأس عروسه «أزهار» بعد ساعات من زفافها، وحمل الرأس إلى أبيها يوم الصباحية، لأنه «لم يرَ دمًا». وقبل النطق بحكم الإعدام، أعلن رئيس محكمة أسيوط—استنادًا إلى تقرير الطب الشرعي—أن أزهار ماتت بكرًا. أعلنها القاضي لتبرئة ساحة فتاةٍ لم تعد في حاجة إلى البراءة، لكنها احتاجتها وهي حية، لا وهي جثة.
وهنا يفرض الأدب سؤاله القاسي، ليس المهم هل أخطأت الرواية تاريخيًا أو دينيًا، بل لماذا فشل الواقع أخلاقيًا بعد كل هذه القرون؟ ما الذي تغيّر بين خيمة شمعون في برية سيناء وبيت أزهار في صعيد مصر؟ تغيّرت الأزمنة والديانات والمسميات، بينما ظل الجسد الأنثوي ساحة لإثبات الشرف، وظلت العادة أعلى صوتًا من العقل، والدم أقرب من الرحمة.
أوراق شمعون المصري ليست نصًا مقدسًا ولا وثيقة تاريخية، لكنها تفعل ما يجب على الأدب أن يفعله: أن يفضح الاستمرارية المرعبة للعنف حين يرتدي لباس القيم. وإذا كان رجلٌ عاش في زمن المعجزات قد فهم أن كرامة الإنسان أولى من طقوس مهينة، فإن السؤال الذي يتركه النص معلقًا في رقابنا:
كيف عجزنا، بعد ألفي عام، عن تعلّم الدرس؟



