AlMomken
جميع الحقوق محفوظة AlMomken

السياسة المغربية تتنصر وتؤكد أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس!!

185

مقال لـ الدكتور / ربيع رستم

رئيس هيئة العدالة للدراسات القانونية والقضائية

استاذ القانون الخاص والمدير التنفيذي للمعهد الدولي للتحكيم والدراسات القانونية بالمغرب والمهتم بالشأن المغربي.

 

  السياسة المغربية تتنصر وتؤكد أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس!!

بعد أن مرّت العلاقات المغربية الإسبانية بمحطات عدة بدءاً من فتح الأندلس مروراً باحتلال إسبانيا لشمال وجنوب المغرب، وصولاً إلى استقلال المغرب واحتفاظ إسبانيا بمدينتي سبتة ومليلية. وخلال هذه الحقبات الزمنية شهدت العلاقات المغربية الإسبانية العديد من الأزمات الدبلوماسية بين الحين والآخر .

وفي الأيام القليلة الماضية، شهد العالم أكبر أزمة  دبلوماسية خلال العقدين الماضيين بين الشقيقة المغرب وجارتها الشمالية إسبانيا بسبب استقبال الأخيرة المدعو إبراهيم غالي زعيم جبهة “البوليساريو” الإنفصالية.

وهذا ما وصفته الرباط بأنها تصرفات استفزازية وتسيء للعلاقات بين الدولتين.

لم يكن استقبال المدعو إبراهيم غالى زعيم جبهة البوليساريو الإنفصالية من طرف السلطات الإسبانية هو السبب الرئيسي في الأزمة فقط!! ولكن هناك أسباب كثيرة  التي نرى أن أهمها هو المعاهدة المغربية الأمريكية واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء وإعلان المغرب أحداث ميناء لكويرة والتطور الكبير والملحوظ في السياسة الخارجية للمغرب.

هذا  الشيء الذي سيقلب موازين القوى رأسا على عقب في المنطقة برمتها.

أما زيارة المدعو إبراهيم غالي هي القطرة التي أفاضت الكأس و كشفت سوء نية الجانب الإسباني وفضحت ازدواجية المواقف لديه، فـلو رجعنا إلى عام 1998، حينما  أصدر القاضي الإسباني “بالتزار كارسون” أمر اعتقال ضد رئيس شيلي السابق بتهم الإبادة الجماعية والتعذيب والإرهاب الدولي، جراء عمليات قتل واختفاء مواطنين إسبان وعملت إسبانيا على اعتقاله في لندن على الرغم من ظروفه الصحية، لكن في عام 2021  وفي خرق سافر للاتفاقيات الدولية ، سمحت اسبانيا بدخول زعيم جبهة البوليساريو المتمردة التي تحارب المغرب وتريد فصل صحرائه عن جغرافيته، والمطلوب من قبل القضاء الإسباني بتهم جرائم حرب، لأراضيها بهوية مزورة صادرة من الجزائر الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو.

وبعد كشف الموضوع إعلاميا، تدعى إسبانيا أن سماحها للمدعو غالي يعود لأسباب إنسانية، للعلاج من تداعيات كوفيد-19، وهو ما يعتبر خرق سافر للاتفاقيات الدولية ويضرب في مصداقية خطاب إسبانيا السائد بخصوص حسن الجوار، ويؤكد أن إسبانيا ما زالت تتعامل مع المغرب بنفس العقلية الإستعمارية التي لم تتغير على الرغم من اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدان  في المجال الإقتصادي والأمني، والتي  قدم المغرب في إطار هذه الإتفاقيات الكثير من التعاون الجاد والمثمر.

فالمغرب يعتبر الوجهة الثامنة للصادرات الإسبانية، والثانية خارج الإتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، كما يعتبر السوق المغربي الوجهة الإفريقية والعربية الأولى للصادرات الإسبانية، وفي مجال الصيد البحري، تحظى السفن الإسبانية بحصة الأسد من رخص الصيد الممنوحة للأوروبيين في المياه المغربية.

ومن ناحية أخرى، يعتبر المغرب بوابة أوروبا نحو إفريقيا، فهو ثاني أكبر مستثمر في إفريقيا جنوب الصحراء والأول في النصف الشمالي منها.

ومن الناحية الأمنية والقضائية، قدم المغرب أيضا إنجازات كبيرة على مستوى مكافحة الهجرة السرية من خلال تفكيك ألف الخلايا الخاصة بتهريب البشر وإجهاض ما يفوق 15 ألف محاولة هجرة سرية، منها ما يقرب من 100 محاولة لاقتحام مدينة سبتة.

كل هذه الإنجازات على الرغم أن المغرب يحصل في المتوسط من الإتحاد الأوروبي مبلغ لا يتجاوز 250 مليون أورو سنويا أي أقل من 25% من التكلفة التي تتحملها المملكة في محاربة الهجرة السرية.

ومن الناحية الأمنية أيضا، قدم المغرب نتائج جد ممتازة ومتميزة في ملف مكافحة الإرهاب، وجنب إسبانيا  بصفة خاصة والإتحاد الأوربي بصفة عامة الكثير من الحوادث الإرهابية وذلك ثابت بالأرقام والنتائج التي حققها المكتب المركزي للأبحاث القضائية بالمغرب في مجال مكافحة الإرهاب، والضربات الاستباقية له في تفكيك الخلايا الإرهابية والتي أشاد بها كثير من دول العالم نتيجة للمهنية والإحترافية التي أدار بها المغرب ملف مكافحة الإرهاب.

وكان دافع  المغرب في كل ما قدمه الحفاظ على  علاقات حسن الجوار ورعاية  المصالح الإستراتيجية لشركائه، سواءا إسبانيا او الإتحاد الأوروبي ككل.

وبالرغم من كل هذا لم تتخذ إسبانيا موقفا مماثلا واضحا وجادا، ووضعت نفسها في ورطة كبيرة عندما فتحت حدودها ومنحت حمايتها لشخص متابع قضائيا، ضاربة بكل الإتفاقيات الدولية عرض الحائط بشكل مناف لحسن الجوار ولمقتضيات الشراكة.

وأنا أتوقع أن يكون ثمن هذه الأزمة السياسية بنسبة لإسبانيا غالياً جدا، خصوصًا بعد فشل كل المناورات التي تقوم بها من أجل الخروج من هذه الأزمة، مرة بالإستقواء بالإتحاد الأوروبي ومرة باتهام المغرب بـ”الإعتداء” و”الإبتزاز” بعد سحب المغرب أمنه من المنطقة الحدودية وتعليق تعاونه مع إسبانيا في ملف الهجرة، فهل من واجب المغرب حماية حدود غير حدودها؟؟.

فمن حق المغرب بعد ما قدمه أن يكون شريكا حقيقيا في إطار علاقة متكافئة وله الحق في إعادة النظر في كل العلاقات والإتفاقيات، أو بالأحرى العلاقات التي تكون من طرف واحد، بينما يكون للطرف الآخر مواقف مزدوجة أو يعتمد على منطق المساومة والابتزاز.

وبعد أن كشفت هذه الأزمة سوء النية والخداع من طرف الجانب الإسباني الذي تأكد له بعد أن أثبت المغرب أن الواقع يؤكد فعلا (أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس)، وأن الدولة المغربية اليوم تحررت من أي تبعية لمستعمر قديم ، وأنه دولة وازنه إقليميا ودوليا، وأن قرار قطع العلاقات ستكون تكلفته الأمنية والإجتماعية عالية جدا ليس فقط على إسبانيا، ولكن على الاتحاد الأوروبي بالكامل أيضا.

وبعدم استجابة إسبانيا للأمر الواقع ستتأذى بشكل كبير، وستتأثر مصالحها بشكل خطير. فالمغرب شريك في قضايا مختلفة تمس الأمن الإسباني، وهذا سيكون له آثاره السلبية على إسبانيا ودول الإتحاد الأوروبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.